نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٢ - القسم الثاني عبودية الملائكة
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه في الإشارة إلى بعض الصفات الثبوتية والسلبية لملائكة قائلًا:
«هم أعلم خلقك بك، وأخوفهم لك، وأقربهم منك».
فالصفات الثلاث مرتبطة مع بعضها؛ لأنّه المعرفة العظمى للملائكة بالنسبة لذات اللَّه تؤدي إلى خوفها، الخوف من التقصير في إداء الوظائف والمسؤوليات، والخوف الناشىء من عظمته وهيبة مقامه. والصفتان تؤديان إلى قرب الملائكة من اللَّه.
وهنا يبرز هذا السؤال كيف أنّ الملائكة أعلم من جميع المخلوقات باللَّه وأقربها إليه، والحال أنا نعلم أنّ أنبياء اللَّه- ولاسيما نبي الإسلام- وحتى بعض الصالحين أفضل من الملائكة، وأفضل دليل على ذلك سجود كافة الملائكة لآدم، وأفضليته عليهم من حيث العلم والمعرفة، وقد ورد في الحديث أنّ طائفة من الملائكة تقوم على خدمة الأنبياء والصلحاء والمؤمنين، كما هناك الحديث المشهور عن تركيب خلق الإنسان من العقل والشهوة والملائكة من العقل دون الشهوة، فانّ غلب عقله شهوته كان أفضل من الملائكة، هو الآخر دليل على أفضلية الإنسان على الملائكة [١] ويمكن القول في الاجابة على هذا السؤال: المراد الأعلمية والقرب النسبي، وبعبارة اخرى فانّ العبارة المذكورة شبيه الحصر الاضافي، كما يمكن القول أنّ العبارة حكم عام يستثنى منه الأنبياء والأولياء.
ثم أشار إلى صفاتهم السلبية بعدم وجود نواقص في الملائكة على غرار الناس، فذكر أربع صفات منها:
«لم يسكنوا الأصلاب، ولم يضمنوا الأرحام، ولم يخلقوا من ماء مهين [٢] ولم
يتشعبهم [٣] ريب [٤] المنون».
من الواضح أنّ الاستقرار في مكان محدود كصلب الأب ومن ثم رحم الام، والخلق من قطرة ماء تبدو تافهة، لهو نقص في الإنسان؛ والحال ليست الملائكة كذلك، فلا من زواج ولا ولادة كالإنسان.
[١] وسائل الشيعة ١١/ ١٦٤، أبواب جهاد النفس، الباب ٩، ح ٢.
[٢] «مهين» من مادة «مهانة» بمعنى الضعة والحقارة وماء مهين إشارة إلى المني الذي ليس له قيمة من حيثالمقدار ولا الظاهر.
[٣] «يتشعبهم» من مادة «تشعب» التفرق، وشعبة بمعنى الفرع الذي فصل عن الأصل.
[٤] «ريب» كل شك وترديد، ومنون حوادث الدهر أو الموت.