نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٦ - القسم الثالث تضييع النعم
واثر ذلك أخذ يعظكم من لستم خيرا منه، وليس لكم من حق عليه
«ويعظمكم من لا فضل لكم عليه، ولا يد لكم عنده».
كما يهابكم ويبجلكم من ليس لكم قدرة عليه، ولا حكومة أو سيطرة عليه
«ويها بكم [١]
من لا يخاف لكم سطوة [٢]، ولا لكم عليه إمرة»
فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام قد بيّن بهده العبارات الرائعة البليغة منزلة المسلمين في ظل الإسلام، ولم تقتصر حرمة العدو والصديق لهم فحسب، بل شملت حتى جواريهم، كما عومل جيرانهم باللطف والرحمة كرامة لهم، كما كان يكبرهم ويجلهم من الأقوام من ليس لهم عليهم سطوة ولا قوة ولافضل ولا احسان، بل كان يهابهم حتى من لم يكن تابعاً لبلادهم.
فمن الواضح وعلى ضوء الحديث الشريف:
«من خاف اللَّه أخاف اللَّه منه كل شيء ومن لم يخف اللَّه أخافه اللَّه من كل شيء» [٣]
، أنّ المسلم إذا التزم بجوهر الإسلام وعمل باحكامه وما أمر به اللَّه سبحانه واعتمد الورع والتقوى في مسيرته الدينية، يحظى باحترام الآخرين وإجلالهم. فهذه حقيقة لامبالغة فيها.
فقد أصبح المسلمون وفي ظل الإيمان يتمتعون بكافة معاني الشجاعة والاقدام والتضحية والقوة والمنعة.
نف إلى ذلك فقد حفتهم العناية الإلهية والامدادات الغيبية.
فقد نقل اين أبي الحديد قصة رائعة بهذا الشأن. حيث قال: قيل إنّ العرب لما عبرت دجلة إلى القصر الأبيض الشرقي بالمدائن عبرتها في أيام مدها، وهى كالبحر الزاخر على خيولها وبأيديها رماحها، ولا درع عليها ولا بيض؛ فهربت الفرس بعد رمي شديد منها للعرب بالسهام؛ وهم يقدمون ويحملون، ولا تهولهم السهام، فقال فلاح نبطي، بيده مسحاته وهو يفتح الماء إلى زرعه لأسوار من الاساورة معروف بالبأس وجودة الرماية: ويلكم! أمثلكم في سلاحكم يهرب من هؤلاء القوم الحاسرين! ولذعه باللوم والتعنيف: فقال له: أقم مسحاتك،
[١] «يهاب» من مادة «هيبة» الاحترام المقرون بالخوف.
[٢] «سطوة» و أصله كما ورد في مفردات الراغب، من سطا الفرس اذا اقام على رجليه رافعاً يديه. القهروالغلبة والتسلط.
[٣] الكافي ٢/ ٦٨.