نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٧ - القسم الأول الصفات الكمالية للَّه
ثم اردفها عليه السلام بست صفات اخرى:
«ومن تكلم سمع نطقه، ومن سكت علم سره، ومن عاش فعليه رزقه، ومن مات فاإليه منقلبه»
. نعم فهو عليم بظاهرنا وباطننا، وهو العالم بحياتنا وموتنا، وإنا إليه راجعون لا محالة.
والحق لو عشنا الإيمان على مستوى القلب والعمل بهذه الصفات التي بينها الإمام عليه السلام لكفتنا في اصلاح أنفسنا، لابدّ أن نعلم بأنّ كل كالدينا منه سبحانه، وعلينا أن نسأله كل ما نريد، فهو العالم باسرارنا، وأنّ يوماً سنعود إليه ونمثل بين يديه في محكمته العادلة.
ثم قال عليه السلام و قد ذكر بعضا من صفات الخالق السلبية:
«لم ترك [١] العيون فتخبر عنك، بل
كنت قبل الواصفين من خلقك»
. فالعبارة «لم ترك العيون» إشارة إلى أنّه ليس بمخلوق ولا بجسم ليرى، وتبيّن صفاته من خلال الرؤية والمشاهدة.
والعبارة اللاحقة بمنزلة العلة؛ لأنّ اللَّه كان منذ الأزل، ولا يمكن أن يكون جسماً. فالجسم حادث. وعليه فان أردنا أن نصف الذات المقدسة علينا ان نستعين بما أورده انبياء اللَّه وكتبه السماوية.
ثم اشار عليه السلام إلى ثمان صفات اخرى من صفات الجلال ذات البعد السلبي، وفي الواقع نتحدث عن غنى الحق المطلق.
«لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ، وَلَا اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ، وَلَا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ، وَلَا يُفْلِتُكَ [٢]
مَنْ أَخَذْتَ، وَلَا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ، وَلَا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ، وَلَايَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ، وَلَايَسْتَغْني عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ».
نعم فهو الغني عن الجميع، وكل كماله مصدره الحق سبحانه و ليس لشيء من قدرة على تحدي إرادته- و عليه فخلقه للمخلوقات يستند إلى فيضه لالدفع وحشة وحدة أو جلب
[١] «لمتر» فعل، والكاف مفعوله، و فاعله «العيون» يعني «لا تبصرك الانظار».
[٢] «يفلت» من مادة «افلات» ينفك أويفر. ومنه الحديث المعروف لعمر في كتب الفريقين «إن بيعة أبي بكركانت فلتة وقى اللَّه شرّها».