نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٩ - القسم الأول الصفات الكمالية للَّه
فالتعبير بالناحية كناية عن تسليم المخلوقات لإرادة اللَّه المطلقة. والتعبير بكل نسمة يعني في الأصل هبوب الرياح المعتدلة، ثم اطلق على روح الكائنات الحية، في إشارة إلى أنّ كل موجود راجع إليه ماثل في محكمته.
ثم اختتم الإمام عليه السلام الخطبة بالقول:
«سبحانك ما أعظم شأنك! سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك! وما أصغر كل عظيمة في جنب قدرتك! وما أهول ما نرى من ملكوتك! وما أحقر ذلك فيما غاب عنا من سلطانك».
والحق ان عظمة هذا العالم وعمق غرائبه تتسع لدينا شيئاً فشيئاً كلما تقدمت مسيرة العلم وتطورت الأجهزة. وقد عبرّ أحد العلماء بأنّ عالم الخلقة- حسب ما لدينا من معلومات- بمثابة المكتبة العظيمة التي تضم ملايين الكتب، وكرتنا الأرضية بكل ما فيها بمنزلة نقطة في صفحة من صفحات كتاب من تلك المكتبة الضخمة. كما صرح آخر بأن ما ثبت اليوم أن كواكب السماء على قدر من الكبر بحيث تذهل الإنسان. فكوكب الجوزاء يبلغ أكبر من كرتنا الأرضية ثلاثين ملياردا، هذا بالنسبة لكواكب واحد- و ما أروع ما قاله الإمام عليه السلام بأن ماخفي عنا لأعظم مما نرى- و قد قال ذلك حيث تنعدم الإكتشافات آنذاك و حين كانت الهيئة البطليموسية التي ترى صغر عالم الوجود هى السائدة في كافة الأوساط العلمية.
فقد انطلق الإمام عليه السلام في الواقع من خلال الرؤية القرآنية لهذه المسألة «لَخَلْقُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ» [١].
ثم اختتم عليه السلام كلامه في بيان نعم الدنيا والآخرة فقال:
«وما أسبغ [٢] نعمك في الدنيا، وما
أصغرها في نعم الآخرة».
[١] سورة غافر/ ٥٧.
[٢] «اسبغ» من مادة «اسباغ» الكثير الوافر.