المعاد و عالم الآخرة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٢ - الطريق الثاني تكرر رؤيتنا للقيامة
طبقات المجتمع حتى الخواص منهم. لا نريد أن نبتعد عن أصل الموضوع، ففي عالم الطبيعة الذي نعيش فيه نرى كراراً قضية إحياء الموتى، غير أنّها و بسبب تعايشنا معها فهي لا تسترعي إنتباهنا. يحل فصل الخريف، نتجول في الصحارى و السهول و ما زال كل شيء لحدّ الآن قد إحتفظ بصورته الطبيعية فنرى الأشياء ذابلة و شاحبة، أوراق الأشجار تلفظ أنفاسها الأخيرة و تسعى جاهدة للإلتصاق بأغصان الشجرة وبالتالي تستسلم لرياح الخريف الباردة فتسقط على الأرض، الأغصان هي الاخرى تعيش حالة الجفاف و الذبول و كأنّ الحياة لم تدبّ فيها أبداً، فإذا لاحت بوادر فصل الشتاء تسلطت عوامله الطبيعية لتحيل الأشجار إلى جثث هامدة عارية يسودها الصمت التام فلا من طراوة و لا ورق و لا ورد و لا ظل، و لم يبق منها سوى ساق أجرد أشبه بجهاز عظمي مهموم لاروح فيه ولا حركة كالعظام النخرة التي تبقى من أجساد الأموات. و لعل هذه الصورة تتجلى بوضوح في الصحاري القاحلة القفراء كصحراء الحجاز- التي لا تصلها سوى مياه الأمطار الموسمية- فهي تبدو في فصل الشتاء بالضبط كالمقابر القديمة و المتروكة، حتى، صوت البوم لا يسمع فيها بصفته الرفيق الحميم لمثل هذه الأماكن! ثم لايلبث ذلك طويلًا تلوح آفاق فصل الربيع بنسيمه الحيوي و أمطاره المناسبة و حرارته المعتدلة الخلّابة وبالتالي بجميع بركاته التي تجعل الأرض تتنفس الحياة لتدب في تلك العظام الخاوية للأشجار، كما تفيض الحياة و الحركة و النشاط على تلك الصحاري القفار التي كانت تفوح منها رائحة القبور القديمة و المتروكة، وأخيراً فإنّ قيامة عظيمة تقوم لتجتاح أنحاء عالم الطبيعة.