المعاد و عالم الآخرة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٥ - ٤- القيامة الصغرى و الكبرى
الأحجار من مسافات تبلغ مئات الفراسخ و قد إشتغل مئة ألف عامل خلال عشرين سنة من أجل بناء هذه الأهرام، حتى قيل إنّ تكاليف الخضرة وبعض الأدوية للعمال بلغت ١٦ مليون دولار خلال تلك المدّة. [١] ويتضح من كل هذا مدى رسوخ عقيدة المصريين القدماء بالمعاد (طبعاً العقيدة الممزوجة بالخرافات)، فلا يمكن تجاهل هذه العقيدة و اعتبارها مجرّد عادة أو قضية تلقينية، بل تدل مثل هذه العقائد المترسخة بين عموم الناس على فطريتها و إستنادها إلى أعماق روح الإنسان، لأنّ الفطرة والغريزة التي يمكنها الصمود إزاء العواصف الشديدة لمرور الزمان والتطورات الاجتماعية والفكرية، فتبقى ثابتة مستقرة.
٤- القيامة الصغرى و الكبرى
كما أشرنا سابقاً بأنّ نموذج القيامة و المحكمة الكبرى إنّما تكمن في وجودنا، حيث تعقد في أعماق روح الإنسان فور قيامه بالأعمال الحسنة أو السيئة. فقد تنتابه أحياناً حالة من الفرح و السرور و الهدوء و السكينة الباطنية تجاه بعض الأعمال الحسنة بحيث يعجز القلم و البيان عن وصفها و بالعكس فإذا ما صدر منه خطيئة و مخالفة فإنّه يشعر بالهم و الغم و الألم الذي يعتصره بحيث قد يستعد أحياناً لأن يصلب بهدف الخلاص من مخالب ذلك الإنزعاج. ترى ما الشبه بين هذه المحكمة الداخلية العجيبة و محكمة القيامة العجيبة!
[١]. ويل دورانت، تأريخ الحضارة، ج ١، ص ٢١١، ٢٢٤، ٢٢٥.