المعاد و عالم الآخرة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣ - عامل مؤثر واقي و عامل محرك قوي
و هذه هي الأمور التي ترسم معالم حياتنا الخالدة التي تنتظرنا فإمّا تمنحنا الطمآنينة و السعادة أو الاضطراب و الشقاء، و الأمر بالضبط كالجنين إن كان له عقل و قد قصر في صنع نفسه خلال تلك المدّة القصيرة من عمره في بطن أمّه و التي تعتبر فترة بناء الجسم و الروح، فإنّ عليه أن يتحمل العواقب الوخيمة لعمر مديد (قد يستغرق مئة سنة مثلًا) و يذوق الألم والمعاناة و هكذا الحال بالنسبة للإنسان إنّ قصر في صنع نفسه و تهذيبها في هذه الحياة الدنيا و كبّدها مختلف العيوب و الأمراض الأخلاقية و النفسية فإنّ عليه أن يتحمل العذاب الأليم و شدته في عالم ما بعد الموت. و من شأن هذا الإعتقاد أن يقلب حياة الإنسان رأساً على عقب، كونه يشكل درساً تربوياً عالياً ينهض بتربية روح الإنسان و نفسه، و يحول دونه ودون كل تلك الجنايات التي يمكن أن تصدر من إنسان مادي يعتقد أنّها تفنى و تزول جميعاً بفنائه و زواله. فالإعتقاد بعالم ما بعد الموت و بقاء أثر أعمال الإنسان يمكنه أن يكون عامل وقاية متين إزاء الذنوب و المعاصي، كما يمكنه أن يكون عاملًا مقتدراً للحركة و للحث على الاستثمار المادي و المعنوي في سبيل خدمة الخلق. لا شك أنّ آثار الإيمان بعالم ما بعد الموت ليفوق بدرجات دور المحاكم وقوانين العقوبات الاعتيادية و المكافئات و التشجيعات العادية في إصطلاح الأفراد الفاسدين و المنحرفين و تشجيع الأفراد المضحين و المجاهدين، وذلك لأنّ من خصائص محكمة العدل الإلهي في القيامة هو خلوها من الاستئناف والتمييز و لا الواسطة، كما لايمكن تشويش أفكار القضاة من خلال طرح الوثائق المزيفة و ممارسة الكذب و الخداع، كما تخلو من الروتينيات و التشريفات التي تدعوا إلى الإطالة، بل و كما سنذكر ذلك