مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٤ - ٥٧ سورة الحديد
يقول سبحانه في البداية: «ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ».
إنّ هذه الدعوة دعوة عامة لجميع البشر، فهي تدعو المؤمنين إلى إيمان أكمل وأرسخ، وتدعو- أيضاً- غير المؤمنين إلى التصديق والإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه و آله، وهذه الدعوة إلى الإيمان جاءت توأماً مع أدلة التوحيد التي تناولتها الآيات التوحيدية السابقة.
ثم يدعو إلى أحد الالتزامات المهمة للإيمان وهي: (الإنفاق في سبيل اللَّه) حيث يقول تعالى: «وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ».
إنّ للإنفاق مفهوماً واسعاً ولا ينحصر بالمال فقط، بل يشمل- أيضاً- العلم والهداية والسمعة الاجتماعية ورؤوس الأموال المعنوية والمادية.
ثم يقول تعالى في الحثّ على الإنفاق: «فَالَّذِينَ ءامَنُوا مِنكُمْ وَأَنفِقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ».
إنّ وصف الأجر بأنّه
«كبير»
إشارة إلى عظمة الألطاف الإلهية والهبات الإلهية، وأبديتها وخلوصها ودوامها ليس في الآخرة فحسب، بل في عالم الدنيا أيضاً حيث إنّ قسماً من الأجر سوف يكون من نصيب الإنسان في الدنيا.
وبعد الأمر بالإيمان والإنفاق يعطي بياناً لكل منهما، وهو بمثابة الاستدلال والبرهان، وذلك بصورة استفهام توبيخي ابتداءاً، حيث يستفسر عن علة عدم قبول دعوة الرسول صلى الله عليه و آله حول الإيمان باللَّه فيقول سبحانه: «وَمَا لَكُمْ لَاتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ».
يعني أنّكم إذا كنتم مستعدّين حقيقة وصدقاً لقبول الحق، فإنّ دلائله واضحة عن طريق الفطرة والعقل، وكذلك عن طريق النقل.
وجاءت
الآية اللاحقة
لتأكيد وتوضيح نفس هذا المعنى حيث تقول: «هُوَ الَّذِى يُنَزّلُ عَلَى عَبْدِهِ ءايَاتٍ بَيّنَاتٍ لّيُخْرِجَكُم مّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ».
إنّ كلمة
(رؤوف)
جاءت هنا إشارة إلى محبته ولطفه الخاص بالنسبة إلى المطيعين، في حين أنّ كلمة
(رحيم)
إشارة إلى رحمته بخصوص العاصين.
ثم يأتي استدلال آخر على ضرورة الإنفاق حيث يقول تعالى: «وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ». أي أنّكم سترحلون عن هذه الدنيا وتتركون كل ما منحكم اللَّه فيها، وتذهبون إلى عالم آخر، فلماذا لا تستفيدون من هذه الأموال التي جعلها اللَّه تحت تصرفكم بتنفيذ أمره بالإنفاق.
ولأنّ للإنفاق قيماً مختلفة وأحوالًا متفاوتة الشرائط والظروف، يضيف ٥٧/ ١٥- ١٢ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَ لكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)