مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٦ - ٧٣ سورة المزمل
«الناشئة»: من مادة «نشأ» وتعني الحادثة، وقد ذكر هنا ثلاثة تفاسير لما يراد منها.
الأوّل: المراد به ساعات الليل الحادثة بالتوالي.
والثاني: إنّ المراد هو إحياء الليل بالصلاة والعبادة وقراءة القرآن.
والثالث: الحالات المعنوية والروحية والنشاط والجذوة الملكوتية التي تحصل في القلب الإنسان وروحه في هذه الساعات الخاصّة بالليل، والتي تكون آثارها في روح الإنسان أعمق واستمرارها أكثر، والتّفسيران الثاني والثالث متلازمان، ويمكن جمعها في ما يراد بمعنى الآية.
والتعبير ب «أَشَدُّ وَطًا»: التأثيرات الثابتة والراسخة الحاصلة من شعاع هذه العبادات في روح الإنسان.
«أقوم»: من القيام، ويراد بكونها أثبت للقول وأصوب لحضور القلب.
«قيلًا»: تعني القول، وتشير هنا إلى ذكر اللَّه وقراءة القرآن.
إنّ هذه الآية من الآيات التي تحتوي على أبلغ الأحاديث حول العبادة الليلية، ورمز إظهار المحبة مع المحبوب في ساعات يختلي فيها الحبيب بحبيبه وأكثر من غيرها.
ويضيف في الآية الاخرى: «إِنَّ لَكَ فِى النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا».
أي إنّك مشغول بهداية الخلق وإبلاغ الرسالة وحلّ المشاكل المتنوعة، ولا مجال لك بالتوجه التام إلى ربّك والإنقطاع إليه بالذكر، فعليك بالليل والعبادة فيه.
وهناك معنى أدق وتفسير يناسب الآيات السابقة أيضاً هو: أنّك تتحمل في النهار مشاغل ثقيلة ومساعي كثيرة، فعليك بعبادة الليل لتقوى بها روحك وتستعد للفعاليات والنشاطات الكثيرة في النهار.
وبعد الإشارة إلى العبادة الليلية، والإشارة الإجمالية إلى الآثارها العميقة يذكّر القرآن بخمسة أوامر اخرى مكملة لتلك فيقول: «وَاذْكُرِ اسْمَ رَبّكَ».
والطبيعي أنّ المراد ليس ذكر الإسم فحسب، بل التوجه إلى المعنى، لأنّ الذكر اللفظي مقدمة للذكر القلبي، والذكر القلبي يبعث على صفاء القلب والروح ويروي منهل المعرفة والتقوى في القلب.
ويقول في الأمر الثاني: «وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا».
«التبتل»: من «البتل» على وزن (حتم)، وتعني في الأصل الإنقطاع، ولهذا سمّيت «مريم