مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٥ - ٦٢ سورة الجمعة
ثم يشير القرآن إلى سبب خوفهم من الموت بقوله: «وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ».
لأنّ خوف الإنسان من الموت ناشيء من عاملين أساسيين:
الأوّل: عدم إيمان الإنسان بالحياة بعد الموت واعتقاده أنّ الموت زوال وفناء.
والثاني: أعماله السيّئة التي يعتقد أنّه سيواجهها بعد مماته في عالم الآخرة عندما تقام المحكمة الإلهية.
وإنّما يخاف اليهود من الموت لسوء أعمالهم إذ أنّهم يعتقدون- أيضاً- بيوم الحساب.
وقد وصفهم القرآن الكريم بالظالمين، وذلك لأنّ الظلم يتّسع ليشمل جميع الأعمال السيّئة والجرائم التي إرتكبوها، من قتلهم الأنبياء وقول الزور وغصب الحقوق وتلوّثهم بمختلف المفاسد الأخلاقية.
غير أنّ هذا الخوف وذلك الفرار لا يجدي شيئاً، فالموت أمر حتمي لابدّ أن يدرك الجميع، إذ يقول تعالى: «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلقِيكُم ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ».
الموت قانون عام يخضع له الجميع بما فيهم الأنبياء والملائكة وجميع الناس: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَللِ وَالْإِكْرَامِ» [١].
وكذلك المثول أمام محكمة العدل الإلهي لا يفلت منها أحد، إضافة إلى علم اللَّه تعالى بأعمال عباده بدقّة وبتفصيل كامل.
وبهذا سوف لا يكون هناك طريق للتخلّص من هذا الخوف سوى تقوى اللَّه وتطهير النفس والقلب من المعاصي، وبعد أن يخلص الإنسان للَّهتعالى فإنّه لن يخاف الموت حينئذٍ.
٦٢/ ١١- ٩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَ إِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَ تَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجَارَةِ وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)
[١] سورة الرحمن/ ٢٦ و ٢٧.