مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٤ - ٦٢ سورة الجمعة
هؤلاء مثلهم كمثل الحمار الذي يضرب به المثل في الغباء والحماقة.
ثم يقول تعالى: «بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بَايَاتِ اللَّهِ». إذ لم يكتفوا بمخالفة القرآن عملًا، بل أنكروه بلسانهم أيضاً، حيث نصّت الآية (٨٧) من سورة البقرة وهي تصف اليهود قائلة: «أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَاتَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ».
ويقول تعالى في آخر الآية في عبارة وجيزة: «وَاللَّهُ لَايَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ».
صحيح أنّ الهداية شأن إلهي، ولكن ينبغي أن تهيّأ لها الأرضية اللازمة، وهي الروح التواقة لطلب الحق والبحث عنه، وهي امور يجب أن يهيّئها الإنسان نفسه، ولا شك أنّ الظالمين يفتقدون مثل هذه الأرضية.
وقد حملت الروايات بشدّة على مثل هؤلاء العلماء الذين لا يعملون بما يعلمون، ففي رواية عن الرسول صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«من ازداد علماً ولم يزدد هدى لم يزدد من اللَّه إلّابعداً» [١].
ومثل هؤلاء العلماء سيكونون بلاءً على المجتمع ووبالًا عليه، وسينتهي المجتمع الذي علماؤه من هذا القبيل إلى مصير خطير.
يقول الشاعر:
وراعي الشاة يحمي الذئب عنهافكيف إذا الرعاة لها ذئاب.
وأوضحنا سابقاً أنّ اليهود اعتبروا أنفسهم امّة مختارة، أو نسيجاً خاصاً لا يشبه غيره، وذهبوا إلى أبعد من ذلك حينما ادّعوا أنّهم أبناء اللَّه وأحبّاؤه المنتقمون، وهذا ما أشارت إليه الآية (١٨) من سورة المائدة: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنؤُا اللَّهِ وَأَحِبؤُهُ». (رغم أنّهم يقصدون الأبناء المجازيين).
ولكن القرآن شجب هذا التعالي مرّة اخرى بقوله: «قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ».
فالأحبّاء يتمنون اللقاء دائماً، ولا يتمّ اللقاء المعنوي باللَّه يوم القيامة.
إنّ خوفكم وفراركم من الموت دليل قاطع على أنّكم متعلقون بهذه الدنيا وغير صادقين في إدعائكم.
[١] المحجّة البيضاء في تهذيب الاحياء ١/ ١٢٦.