مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٧ - ٧٤ سورة المدثر
سبب النّزول
في تفسير مجمع البيان: نزلت الآيات في الوليد بن المغيرة المخزومي، وذلك أنّ قريشاً اجتمعت في دارالندوة، فقال لهم الوليد: إنّكم ذوو أحساب، وذوو أحلام، وإنّ العرب يأتونكم فينطلون من عندكم، على أمر مختلف. فاجمعوا أمركم على شيء واحد ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: نقول إنّه شاعر. فعبس عندها وقال: قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر.
فقالوا: نقول إنّه كاهن. قال: إذا تأتونه فلا تجدونه يحدث بما تحدث به الكهنة. قالوا: نقول إنّه لمجنون. فقال: إذا تأتونه فلا تجدونه مجنوناً. قالوا: نقول إنّه ساحر. قال: وما الساحر؟ فقالوا:
بشر يحببون بين المتباغضين ويبغضون بين المتحابين. قال: فهو ساحر، فخرجوا. فكان لا يلقى أحد منهم النبي صلى الله عليه و آله إلّاقال: يا ساحر، يا ساحر. واشتدّ عليه ذلك فأنزل اللَّه تعالى «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثّرُ» إلى قوله «إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ».
التّفسير
الوليد بن المغيرة ... الثري المغرور: تواصل هذه الآيات انذار الكفار والمشركين كما في الآيات السابقة مع فارق، وهو أنّ الآيات السابقة كانت تنذر الكافرين بشكل عام، وهذه تنذر أفراداً معينين بتعابير قوية وبليغة بأشدّ الإنذارات، فيقول تعالى: «ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا». والآيات الآتية نزلت في الوليد بن المغيرة كما قلنا.
ثم يضيف تعالى: «وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا».
وقيل: إنّ أمواله بلغت حدّاً من الكثرة بحيث ملك الإبل والخيول والأراضي الشاسعة ما بين مكة والطائف، وقيل إنّه يملك ضياع ومزارع دائمة الحصاد، وله مائة ألف دينار ذهب، وكل هذه المعاني تجتمع في كلمة «الممدود».
ثم أشار تعالى إلى قوّته في قوله: «وَبَنِينَ شُهُودًا».
إذ كانوا يعينونه على حياته، وحضورهم انس وراحة له، إذ كان له عشرة بنين، كما في الروايات.
ثم يستطرد بذكر النعم التي وهبها له. يقول تعالى: «وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا».
ولم يهبه ما ينفع من المال والأولاد فحسب، بل أغدق عليه ما يريد من جاه وقوّة.
«التمهيد»: من «المهد» وهو ما يستخدم لنوم الطفل، ويطلق على ما يتهيأ من وسائل الراحة والمقام وانتظام الامور.