مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦١ - ٩٠ سورة البلد
وقيل إنّها نزلت في نفر أنفقوا الأموال الطائلة في معاداة الرسول والرسالة، وتباهوا بذلك.
والجمع بين التفاسير المذكورة جائز، وإن كان التفسير الأوّل أكثر انسجاماً مع سياق الآيات التالية.
والفعل «أهلكت» يوحي إبادة الأموال وعدم الحصول على عائد منها.
و «لبد»: تعني الشيء المتراكم، وهنا تعني المال الوفير.
«أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ». إنّه غافل عن هذه الحقيقة ... حقيقة اطّلاع الباري تعالى على كل الامور وعلى ظواهر الأعمال، بل على ما يختلج في أعماق النفس والقلب، وما يدور في الخلد والنية ... عليم بالطريق غير المشروع للحصول على هذه الأموال، وعليم بأهداف الرياء والذاتية في إنفاق هذه الأموال.
٩٠/ ١٠- ٨ أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَ لِسَاناً وَ شَفَتَيْنِ (٩) وَ هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) نعمة العين واللسان والهداية: استتباعاً للآيات السابقة وما دار فيها من حديث عن الغرور والغفلة في حالات الطاغين، تذكر هذه الآيات الكريمة جانباً من أهم ما أنعم اللَّه به على الإنسان من نعم مادية ومعنوية ... كي تكسر فيه روح الغرور، وتدفعه إلى التفكير في خالق هذه النعم، وتحرّك روح الشكر في نفس الكائن البشري ومن ثم تسوقه إلى معرفة الخالق: «أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ* وَهَدَيْنهُ النَّجْدَيْنِ».
ويكفي أن نذكر في النعم السابقة أنّ:
«العين»: أهم وسيلة لإرتباط الإنسان بالعالم الخارجي، عجائب العين تدفع الإنسان حقّاً إلى الخضوع أمام خالقه، الطبقات السبع للعين وهي المسماة بالقرنية، والمشيمية، والعنبية، والجلدية، والزلالية، والزجاجية، والشبكية، لكل منها تركيب عجيب دقيق مدهش، روعيت فيها القوانين الفزيائية والكيمياوية المتعلقة بالنور وانعكاساته على أدق وجه، حتى إن أعقد أجهزة التصوير تعتبر تافهة مقارنة بهذا العضو.
لو لم يكن في الكون سوى الإنسان، ولم يكن من وجود الإنسان سوى العين، لكانت مطالعة هذا العضو كافية وحدها لمعرفة علم اللَّه الواسع وقدرته الجبارة جلّ وعلا.
و «اللسان»: فهو أهم وسائل إرتباط الإنسان بغيره من أبناء جلدته، ونقل المعلومات وتبادلها بين أبناء البشر في الجيل الواحد وفي الأجيال المتعاقبة، وبدون هذه الوسيلة الهامّة