مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٢ - ٥٩ سورة الحشر
واقعية ويتوغلون إلى أعماقها.
والمقصود من العبرة والإعتبار في الآية أعلاه هو الإنتقال المنطقي والقطعي من موضوع إلى آخر. يعني مقايسة الحوادث المتشابهة من خلال إعمال العقل. وتضيف الآية اللاحقة: «وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الدُّنْيَا».
وبدون شك فإنّ الجلاء عن الوطن وترك قسم كبير من رؤوس الأموال التي جهدوا جهداً بليغاً في الحصول عليها، هو بحدّ ذاته أمر مؤلم لهم، وبناءً على هذا فإنّ مراد الآية أعلاه أنّه لو لم يحلّ بهم هذا العذاب، فإنّ بإنتظارهم عذاباً آخر هو القتل أو الأسر بيد المسلمين ...
إلّا أنّ اللَّه سبحانه أراد لهم التيه في الأرض والتشرّد في العالم، لأنّ هذا أشدّ ألماً وأسىً على نفوسهم، إذ كلّما تذكّروا أرضهم وديارهم ومزارعهم وبساتينهم التي أصبحت بيد المسلمين، وكيف أنّهم شردوا منها بسبب نقضهم العهد ومؤامراتهم ضدّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، فإنّ ألمهم وحزنهم ومتاعبهم تضاعف وخاصة على المستوى النفسي.
وكان هذا عذاباً دنيوياً لهم، إلّاأنّ لهم جولة اخرى مع عذاب أشدّ وأخزى، ذلك هو عذاب الآخرة، حيث يضيف سبحانه في نهاية الآية: «وَلَهُمْ فِى الْأَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ».
وبما أنّ ذكر هذه الحادثة مضافاً إلى تجسيد قدرة اللَّه وصدق الدعوة المحمّدية، فهي في نفس الوقت تمثّل إنذاراً وتنبيهاً لكل من يروم القيام بأعمال مماثلة لفعل بني النضير، لذا ففي
الآية اللاحقة
يرشدنا سبحانه إلى هذا المعنى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ».
«شاقّوا»: من مادة «شقاق» وهي في الأصل بمعنى الشقّ والفصل بين شيئين، وبما أنّ العدو يكون دائماً في الطرف المقابل، فإنّ كلمة (شقاق) تطلق على هذا العمل.
وفي
الآية الأخيرة
من الآيات مورد البحث نلاحظ جواباً على إعتراض يهود بني النضير على قطع المسلمين لنخيلهم- كما ورد في شأن النزول- بأمر من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لتهيئة ظروف أفضل لقتال بني النضير أو لزيادة حزنهم وألمهم، فيضطرّوا للنزول من قلاعهم ومنازلة المسلمين خارج القلعة، وقد أثار هذا العمل غضب اليهود وحنقهم، فقالوا: يا محمّد، قد كنت تنهي عن الفحشاء، فما بالك تقطع النخل وتحرقها؟ فنزلت الآية مبيّنة لهم أنّ ذلك من أمر اللَّه سبحانه حيث يقول الباريء: «مَا قَطَعْتُم مّن لّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا