مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٣ - ٥٨ سورة المجادلة
يقول تعالى في البداية: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم».
ثم يضيف تعالى: «مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ». فهم ليسوا أعوانكم في المصاعب والمشاكل، ولا أصدقاءكم وممّن يكنون لكم الودّ والإخلاص، إنّهم منافقون يغيّرون وجوههم كل يوم ويظهرون كل لحظة لكم بصورة جديدة.
ويضيف- أيضاً- واستمراراً لهذا الحديث أنّ هؤلاء ومن أجل إثبات وفاءهم لكم فإنّهم يقسمون بالأيمان المغلّظة: «وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ».
وهذه طريقة المنافقين، فيقومون بتغطية أعمالهم المنفّرة ووجوههم القبيحة بواسطة الأيمان الكاذبة والحلف الباطل، في الوقت الذي تكون أعمالهم خير كاشف لحقيقتهم.
ثم يشير تعالى إلى العذاب المؤلم لهؤلاء المنافقين المصرّين على الباطل والمعاندين للحقّ، حيث يقول تعالى: «أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا». وبدون شك فإنّ هذا العذاب عادل وذلك:
«إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».
للتوضيح الأكثر حول بيان سمات وصفات المنافقين يقول سبحانه: «اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ».
يحلفون أنّهم مسلمون وليس لهم هدف سوى الإصلاح، في حين أنّهم منهمكون بفسادهم وتخريبهم ومؤامراتهم ... وفي الحقيقة فإنّهم يستفيدون من الاسم المقدس للَّهللصدّ والمنع عن سبيل اللَّه تعالى ...
ويضيف تعالى في النهاية: «فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ». أي مذلّ.
إنّهم أرادوا بحلفهم الكاذب تحسين سمعتهم وتجميل صورتهم، إلّاأنّ اللَّه سيبتليهم بعذاب أليم مذلّ.
ولأنّ المنافقين يعتمدون في الغالب على أموالهم وأولادهم وهما (القوة الاقتصادية والقوة البشرية) في تحقيق مآربهم وحلّ مشاكلهم، فإنّ القرآن الكريم يشير إلى هذا المعنى بقوله تعالى: «لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلدُهُم مّنَ اللَّهِ شَيْئًا».
وهذه الأموال ستصبح لعنة عليهم وطوقاً في أعناقهم وسبباً لعذابهم المؤلم، كما يوضّح اللَّه سبحانه ذلك في الآية (١٨٠) من سورة آل عمران: «سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيمَةِ».
وفي ذيل الآية يهدّدهم ويقول: «أُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ».
والعجيب أنّ المنافقين لا يتخلّون عن نفاقهم حتى في يوم القيامة أيضاً، كما يوضّح اللَّه