مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٨ - ١٠٥ سورة الفيل
من حيث جئت، فإنّك في بلد اللَّه الحرام، ثم أرسل اذنه، فبرك الفيل، وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم، فأبى، فضربوا رأسه بالطبرزين [ليقوم] فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى، فوجّهوه راجعاً إلى اليمن فقام يهرول ووجّهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكة فبرك، فأرسل اللَّه عليهم طيراً من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحداً إلّاهلك.
وقيل: إنّ الحجر كان يسقط على الرجل منهم فيخترقه ويخرج من الجانب الآخر.
(أبرهة) اصيب بحجر، وجُرح، فاعيد إلى صنعاء عاصمة ملكه، وهناك فارق الحياة.
وقيل: إنّ مرض الحصبة والجدري شوهد لأوّل مرّة في أرض العرب في تلك السنة.
وفي هذا العام ولد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله حسب الرواية المشهورة، وقيل إنّ بين الحادثتين إرتباطاً.
إنّ أهمية هذه الحادثة الكبرى بلغت درجة تسمية ذلك العام بعام الفيل، وأصبح مبدأ تاريخ العرب [١].
التّفسير
كيد أبرهة: يخاطب اللَّه رسوله صلى الله عليه و آله في الآية الاولى من السورة ويقول له: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ». «أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ». لقد استهدفوا الكعبة ليهدموها وليقيموا بدلها كعبة اليمن، وليدعوا قبائل العرب إلى حج هذا المعبد الجديد، لكنّه سبحانه حال دون تحقق هدفهم، بل زاد الكعبة شهرة وعظمة بعد أن ذاع نبأ أصحاب الفيل في جزيرة العرب، وأصبحت قلوب المشتاقين تهوى إليها أكثر من ذي قبل، وأسبَغَ على هذه الديار مزيداً من الأمن.
كيدهم إذن صار في تضليل، أي في ضلال حيث لم يصلوا إلى هدفهم.
ثم تشرح الآيات التالية بعض جوانب الواقعة: «وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ».
[١] سيرة النبي صلى الله عليه و آله لابن هشام الحميري ١/ ٢٨؛ وبحار الأنوار ١٥/ ٧٠ و ١٣٠؛ ومجمع البيان ١٠/ ٤٤٢.