مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٥ - ٨٤ سورة الانشقاق
نتيجة الزلازل الرهيبة التي تقذفها إلى الخارج، فتملأ الحفر والمنخفضات الموجودة على سطح الأرض، وستهدأ الأرض بعد أن يخلو باطنها من هذه المواد.
و ...: «وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقَّتْ».
فتسليم الموجودات لما سيحدث من كوارث كونية مدمرة ينم عن جملة امور، فمن جهة:
إنّ الفناء سيعم الدنيا بكاملها بأرضها وسمائها وإنسانها وكل شيء آخر، ومن جهة اخرى:
فالفناء المذكور يمثل انعطافة حادّة في مسير عالم الخليقة، ومقدمة للدخول في مرحلة وجود جديدة، ومن جهة ثالثة، فكل ما سيجري ينبئ بعظمة قدرة الخالق المطلقة، وخصوصاً في مسألة المعاد.
نعم، فسيرضخ الإنسان، بعد أن يرى بام عينيه وقوع تلك الحوادث العظام، وسيرى حصيلة أعماله الحسنة والسيئة.
وتبيّن
الآية التالية
معالم طريق الحياة للإنسان مخاطبة له: «يَا أَيُّهَا الْإِنسنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبّكَ كَدْحًا فَمُلقِيهِ».
«الكدح»: السعي والعناء الذي يخلق أثراً على الجسم والروح.
والآية تشير إلى أصل أساسي في الحياة البشرية، فالحياة دوماً ممزوجة بالتعب والعناء، وإن كان الهدف منها الوصول إلى متاع الدنيا، فكيف والحال إذا كان الهدف منها هو الوصول إلى رضوان اللَّه ونيل حسن مآب الآخرة؟!
فالحياة الدنيا قد جبلت على المشقة والتعب والألم، حتى لمن يرفل بأعلى درجات الرفاه المادي.
وما ذكر
«لقاء اللَّه»
في الآية إلّالتبيان أنّ حالة التعب والعناء والكدح حالة مستمرة إلى اليوم الموعود، ولا يتوقف إلّابانتهاء عجلة الحياة الدنيا، ولا فرق في توجيه معنى «اللقاء» سواء كان لقاء يوم القيامة والوصول إلى عرصة حاكمية اللَّه المطلقة، أو بمعنى لقاء جزاء اللَّه من عقاب أو ثواب، أو بمعنى لقاء ذاته المقدسة عن طريق الشهود الباطني.
نعم، فراحة الدنيا لا تخلو من تعب، والراحة الحقة .. هناك، حيث ينعم الإنسان بين فيافي جنان الخلد.
واستعمال كلمة
«ربّ»
فيه إشارة إلى ثمّة إرتباط ما بين سعي وكدح الإنسان من جهة، وذلك البرنامج التربوي الذي أعدّه الخالق لمخلوقه في عملية توجيه الإنسان نحو الكمال المطلق من جهة اخرى.