مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٠ - ٥٨ سورة المجادلة
ثابت بن قيس بن شماس، وقد سبقوا في المجلس. فقاموا حيال النبي صلى الله عليه و آله فقالوا: السلام عليك أيّها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، فردّ عليهم النبي صلى الله عليه و آله. ثم سلّموا على القوم بعد ذلك، فردّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسّع لهم، فلم يفسحوا لهم. فشقّ ذلك على النبي صلى الله عليه و آله، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: قم يا فلان، قم يا فلان، بقدر النفر الذين كانوا بين يديه من أهل بدر. فشقّ ذلك على من اقيم من مجلسه، وعرف الكراهية في وجوههم. وقال المنافقون للمسلمين: ألستم تزعمون أنّ صاحبكم يعدل بين الناس، فواللَّه ما عدل على هؤلاء أنّ قوماً أخذوا مجالسهم وأحبّوا القرب من نبيّهم، فأقامهم وأجلس من أبطأ عنهم مقامهم! فنزلت الآية.
التّفسير
إحترام أهل السابقة والإيمان: تعقيباً على الموضوع الذي جاء في الروايات السابقة حول ترك (النجوى) في المجالس، يتحدث القرآن عن أدب آخر من آداب المجالس حيث يقول سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِى الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ».
جملة «يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ» لها مفهوماً واسعاً، وتشمل كل سعة إلهية، سواء كانت في الجنة أو في الدنيا أو في الروح والفكر أو في العمر والحياة، أو في المال والرزق.
وبما أنّ المجالس تكون مزدحمة أحياناً بحيث إنّه يتعذّر الدخول إلى المجلس في حالة عدم التفسّح أو القيام، وإذا وجد مكان فإنّه غير متناسب مع مقام القادمين واستمراراً لهذا البحث، يقول تعالى: «وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا». أي إذا قيل لكم قوموا فقوموا.
ولا ينبغي أن تضجروا أو تسأموا من الوقوف، لأنّ القادمين أحياناً يكونون أحوج إلى الجلوس من الجالسين في المجلس، وذلك لشدّة التعب أو الكهولة أو للإحترام الخاص لهم، وأسباب اخرى.
ثم يتطرق سبحانه إلى الجزاء والأجر الذي يكون من نصيب المؤمنين إذا التزموا بالأمر الإلهي، حيث يقول عزّ وجل: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ».
وذلك إشارة إلى أنّ الرسول صلى الله عليه و آله إذا أمر البعض بالقيام وإعطاء أماكنهم للقادمين، فإنّه لهدف إلهي مقدس، وإحتراماً للسابقين في العلم والإيمان.
وبما أنّ البعض يؤدّي هذه التعليمات ويلتزم بهذه الآداب عن طيب نفس ورغبة، والآخرون يؤدّونها عن كراهية أو للرياء، والتظاهر ... فيضيف تعالى في نهاية الآية: «وَاللَّهُ