مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٧ - ٥٩ سورة الحشر
والأمر الآخر: «وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا». فهم لا يطمعون بالغنائم التي اعطيت للمهاجرين، ولا يحسدونهم عليها، ولا حتى يحسّون بحاجة إلى ما اعطي للمهاجرين منها.
ويضيف تعالى في المرحلة الثالثة إلى وصفهم: «وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ» [١].
ومن هذه السمات الثلاث:
«المحبّة»
و
«عدم الطمع»
و
«الايثار»
، كانت تتشكّل خصوصية الأنصار المتميزة.
في تفسير مجمع البيان عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يوم بني النضير للأنصار:
«إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم، ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة».
فقال الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها فنزلت الآية.
وفي نهاية الآية- ولمزيد من التأكيد لهذه الصفات الكريمة، وبيان تأثيرها الإيجابي العميق- يضيف سبحانه: «وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».
«الشحّ»: البخل مقترناً بالحرص عادةً؛ و «يوق»: من مادة وقاية.
وفي الكافي عن الفضل بن أبي قرة قال: قال الصادق عليه السلام:
«تدري ما الشحيح»؟
قلت: هو البخيل. قال:
«الشحّ أشدّ من البخل، إنّ البخيل يبخل بما في يده، والشحيح يشحّ على ما في أيدي الناس، وعلى ما في يديه، حتى لا يرى مما في أيدي الناس شيئاً إلّاتمنّى أن يكون له بالحلّ والحرام، ولا يقنع بما رزقه اللَّه».
وفي
آخر آية
مورد البحث يأتي الحديث عن آخر طائفة من المسلمين، الذين عرفوا بيننا باصطلاح القرآن الكريم ب
(التابعين)
، والذين يشكّلون المجموعة الغالبة من المسلمين بعد المهاجرين والأنصار الذين تحدّثت عنهم الآيات السابقة. يقول تعالى: «وَالَّذِينَ جَاءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ».
[١] «خصاصة»: من مادة «خصاص» بمعنى الشقوق التي توجد في جدران البيت، ولأنّ الفقر في حياة الإنسان يمثّل شقّاً، لذا عبّر عنه بالخصاصة.