مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٨ - ٧٢ سورة سورة الجن
هذا العلم يخص ذاته المقدسة تعالى شأنه، وأراد أن يبقى مكتوماً حتى عن عباده المؤمنين، ليتحقق الإختبار الإلهي للبشرية، وإلّا فلن يؤثر الإختبار.
فإنّنا كثيراً ما نواجه مثل هذه المعاني في آيات القرآن، وعندما يسأل الرسول صلى الله عليه و آله عن يوم القيامة يجيب بأنّه ليس له علم بذلك، وأنّ علمه عند اللَّه. ولما تبدى له جبريل في صورة أعرابي كان فيما سأله أن قال: يا محمّد أخبرني عن الساعة؟ قال:
«ما المسؤول عنها بأعلم من السائل».
ولما ناداه ذلك الأعرابي بصوت جهْوَريّ فقال: يا محمّد، متى الساعة؟ قال:
«ويحك، إنّها كائنة فما أعددت لها»؟
قال: أمّا إنّي لم اعدّ لها كثير صلاة ولا صيام، ولكني احبّ اللَّه ورسوله، قال صلى الله عليه و آله:
«فأنت مع من أحببت».
قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث [١].
ثم يبيّن في هذا الحديث قاعدة كلية بشأن علم الغيب فيقول: «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا».
ثم يضيف مستثنياً: «إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ». أي يبلغه ما يشاء عن طريق الوحي الإلهي: «فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا».
«رصد»: في الأصل مصدر، ويراد به الإستعداد للمراقبة من شيء؛ ويراد به هنا الملائكة الذين يبعثهم اللَّه مع الوحي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ليحيطوه من كل جانب، ويحفظوا الوحي من شرّ شياطين الجن والإنس ووساوسهم ومن كل شيء يخدش أصالة الوحي، ليوصلوا الرسالات إلى العباد، وهذا هو دليل من الأدلة على عصمة الأنبياء عليهم السلام المحفوظين من الزّلات والخطايا بالإمداد الإلهي والقوّة الغيبية، والملائكة.
في بحثنا
للآية الأخيرة
التي تنهي السورة تبيان لدليل وجود الحراس والمراقبين فيقول:
«لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا».
المراد من العلم هنا هو العلم الفعلي، وبعبارة اخرى ليس معنى الآية أنّ اللَّه ما كان يعلم عن أنبيائه شيئاً ثم علم، لأنّ العلم الإلهي أزلي وأبدي وغير منتاه، بل إنّ المراد هو تحقق العلم الإلهي في الخارج، ويتخذ لنفسه صورة عينية واضحة، أي ليتحقق إبلاغ الأنبياء ورسالات ربّهم ويتمموا الحجة بذلك.
[١] تفسير المراغي ٢٩/ ١٠٥.