مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٢ - ٦٤ سورة التغابن
في أعقاب تلك الآيات التي بحثت مسألة الخلقة والهدف من الخلق، جاءت هذه الآيات لتكمّل البحث الذي يطرح قضية المعاد والقيامة، حيث يقول تعالى: «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا».
فإنّ القرآن الكريم يأمر الرسول الأكرم في أعقاب هذا الكلام بقوله: «قُلْ بَلَى وَرَبّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ». لأنّهم في البداية كانوا عدماً وخلقهم اللَّه، فإعادتهم إلى الوجود مرّة اخرى أيسر ..
ولابدّ أن تكون النتيجة كما قرّرتها
الآية اللاحقة
وأنّه بعد أن ثبت أنّ المعاد حق: «فَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِى أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ».
وبناءً على ذلك يأمرهم الباريء أن يعدوا أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح، ويستعدّوا للبعث ويوم الجزاء.
والإيمان هنا لابدّ أن يرتكز على ثلاثة اصول: (اللَّه) و (الرسول) و (القرآن) التي تتضمن الامور الاخرى جميعاً.
وتصف
الآية اللاحقة
يوم القيامة بقولها: «يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ».
فإنّ أحد أسماء يوم القيامة هو
«يوم الجمع»
الذي ورد كراراً بتعبيرات مختلفة في القرآن الكريم، منها ما جاء في الآية (٤٩ و ٥٠) من سورة الواقعة: «قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْأَخِرِينَ* لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ».
ثم يضيف تعالى: «ذلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ». أي اليوم الذي يعرف فيه
«الغابن»
بالفوز عن
«المغبون»
بالغلبة، وهو اليوم الذي ينكشف فيه من هم الناس الذين غبنوا وخسرت تجارتهم.
ثم يتحدث القرآن الكريم عن أحوال المؤمنين في ذلك اليوم (يوم القيامة) أو (يوم التغابن) قائلًا: «وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ».
وستتنزّل النعم الإلهية والبركات بتحقق الشرطين الأساسيين، الإيمان والعمل الصالح.
ثم يقول تعالى: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِايَاتِنَا أُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ».
وهناك عاملان أساسيان للشقاء يذكرهما القرآن، هما الكفر والتكذيب بالآيات الإلهية، وهما النقيضان الواقعيان للإيمان والعمل الصالح.