مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٣ - ٩٠ سورة البلد
العقبة: بعد ذكر النعم الكبيرة في الآيات السابقة، تنحي هذه الآيات باللائمة على اولئك الذين يكفرون بهذه النعم، ولا يسخرونها على طريق النجاة، يقول سبحانه: «فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ».
وما المقصود من العقبة؟ الآيات التالية تفسّرها: «وَمَا أَدْرَيكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ* يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ».
من هنا فالعقبة التي لم يتهيأ الكافرون لاجتيازها هي: فك رقبة عبد وتحريره من الرقّ، أو إطعام في يوم الضائقة الإقتصادية والمجاعة، يتيماً ذا قربى أو فقيراً قد لصق بالتراب من شدّة فقره، العقبة هي مجموعة أعمال الخير التي تتجه لخدمة الناس والأخذ بيد الضعفاء والمعوزين، كما إنّها أيضاً مجموعة من المعتقدات الصحيحة الخالصة تشير إليها الآيات التالية. نعم، إن اجتياز هذه العقبة ليس بالأمر اليسير لما لأغلب الناس من التصاق بالمال والثروة.
١- «اقتحم»: من «الإقتحام» وهو الدخول في عمل صعب مخيف (مفردات الراغب)، أو الولوج والعبور بشدّة ومشقّة (تفسير الكشّاف) وهذا يعني أنّ إجتياز هذه العقبة ليس بالأمر اليسير، كما أنّه تأكيد على ما ورد في أوّل السورة بشأن ما يكابد الإنسان في حياته:
«لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسنَ فِى كَبَدٍ».
٢- «المسغبة»: من «سغب» على وزن (غضب) وهو الجوع؛ و «يوم ذي مسغبة» أي وقت المجاعة، والجياع موجودون في المجتمع عادة، والآية إنّما تؤكّد على إطعامهم في زمان المجاعة لأهمية الموضوع، وإلّا فإنّ اشباع الجياع هو دائماً من أفضل الأعمال.
٣- «المقربة»: بمعنى القرابة والرحم، والتأكيد على الأقرباء من اليتامى في الآية إنّما هو لمراعاة الاولوية وللتأكيد على تصاعد المسؤولية تجاههم، لا لحصر الإطعام بهذا القسم من اليتامى.
٤- «المتربة»: مصدر ميمي من «ترب» وساكن التراب من شدّة فقره هو ذو المتربة، والتأكيد على هذا النمط من المساكين لأولويتهم أيضاً.
وفي الكافي عن معمر بن خلاد قال: كان أبوالحسن الرضا عليه السلام إذا أكل أتى بصفحة فتوضع بقرب مائدته، فيعمد إلى أطيب الطعام مما يؤتى به فيأخذ من كل شيء شيئاً فيضع في تلك الصفحة ثم يأمر بها للمساكين، ثم يتلو هذه الآية: «فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ». ثم يقول:
«علم اللَّه