مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٧ - ٧٩ سورة النازعات
ويشير البيان القرآني كذلك، إلى المؤمنين بأن لا يخافوا من قوّة الأعداء الظاهرية، لأنّ دمارهم وهلاكهم على اللَّه أسهل من أن يتصور .. فهذا البيان القرآني إذاً، تسلية لقلوب المؤمنين وترطيباً لخواطرهم.
فيتوجه الحديث إلى النبي صلى الله عليه و آله بصيغة الإستفهام: «هَلْ أَتَيكَ حَدِيثُ مُوسَى». ليشوق السامع ويهيئه لاستماع القصة ذات العبر.
ثم يقول: «إِذْ نَادَيهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى».
«طوى»: يمكن أن يكون اسماً لأرض مقدّسة، تقع في الشام بين (مدين) و (مصر)، وهو الوادي الذي كلّم اللَّه تعالى فيه موسى عليه السلام أوّل مرّة.
ثم أشار القرآن إلى تعليمات اللَّه عزّ وجل إلى موسى عليه السلام في الواد المقدس: «اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى». وبعد التزكية وتطهير الذات تصبح لائقاً للقاء اللَّه، وسوف أهديك إليه عسى أن تخشع وتترك ما أنت عليه من المنكرات: «وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبّكَ فَتَخْشَى».
ولمّا كانت كل دعوة تحتاج إلى دليل صحتها، يضيف القرآن القول: «فَأَرَيهُ الْأَيَةَ الْكُبْرَى».
ولكن، ما الآية الكبرى؟ هل هي عصا موسى عليه السلام التي تحولت إلى أفعى عظيمة، أو إخراج يده بيضاء، أم كليهما؟ وعلى أيّة حال، فالمهم في المسألة إنّ موسى عليه السلام استند في بدء دعوته على معجزة «الآية الكبرى».
وتبيّن لنا هذه الملاحظة: إنّ من جملة الأهداف المهمّة في حركة الأنبياء هي هداية الطغاة أو مجاهدتهم.
لكن فرعون المتجبّر قابل كل تلك المحبة، اللطف، الدعوة بالحسنى والآية الكبرى، قابل كل ذلك بالتجبّر الأعمى والغرور الأبله: «فَكَذَّبَ وَعَصَى».
وكما يظهر من الآية المباركة فإنّ التكذيب مقدمة العصيان ومرحلة سابقة له، كما هو حال التصديق والإيمان باعتباره مقدمة للطاعات.
وازداد فرعون عتوّاً: «ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى».
وقد هددت معجزة موسى عليه السلام كل وجود فرعون الطاغوتي، مما دعاه لأن يبذل كل ما يملك من قدرة لأجل إبطال مفعول المعجزة، فتراه وقد أمر أتباعه وجنوده لجمع كل سحرة