مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٨ - ٧٩ سورة النازعات
البلاد- على كثرتهم في تلك الحقبة الزمنية- ونودي في الناس بأمره ليشاهدوا مشهد إبطال المعجزة من قبل السحرة، وليظهروا مثلها: «فَحَشَرَ فَنَادَى». ولم يكتف فرعون بكذبه وعصيانه، ومقاومته لدعوة الحق والوقوف أمامها، بل وتعدى حدود المخلوق بصورة مفرطة جدّاً، وافترى على اللَّه وعلى نفسه بأقبح ادعاء، حينما ادعى لنفسه الربوبية على شعبه وأمرهم بطاعته: «فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى».
فادّعاءه بأنّه (الربّ الأعلى) قد سرى حكمه حتى على آلهته لتكون من عبيده! .. نعم، فهكذا هو هذيان الطواغيت.
وعلى أيّة حال، فقد حلّ بفرعون منتهى التكبر والطغيان، فأخذه جبّار السماوات والأرض سبحانه أخذ عزيز مقتدر: «فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْأَخِرَةِ وَالْأُولَى».
«النكال»: لغةً: العجز والضعف. ويقال لمن يتخلف عن دفع ما استحق عليه (نكل).
و (النِكل)- على وزن فكر- القيد الشديد الذي يعجز معه الإنسان على عمل أيّ شيء.
و «نكال»: في الآية يقال للعذاب الإلهي الذي يؤدّي إلى عجز الإنسان، ويُخيف الآخرين، فيعجزهم عن ارتكاب الذنب.
«نكال الآخرة»:
عذاب جهنم الذي سينال فرعون وأصحابه ومَن سار على خطوه؛ و «عذاب الاولى»: إشارة إلى إغراق فرعون وأصحابه في نهر النيل.
وتقديم «نكال الآخرة» على عذاب الدنيا، لأهميته وشدّة بطشه.
وقيل:
«الاولى»:
تشير إلى كلمة فرعون الاولى في مسير طغيانه حين ادّعى (الالوهية)، كما جاء في الآية (٣٨) من سورة القصص.
و
«الآخرة»:
إشارة إلى آخر كلمة نطق بها فرعون حين ادّعى (الربوبية العليا)، فعذّبه اللَّه بالغرق في الحياة الدنيا نتيجة ادّعائيه الباطلين.
ويوافق هذا المعنى صيغة الفعل الماضي الواردة في الآية
«أخذ»
والذي يفهم منه تنفيذ كل العقاب في الدنيا، وتعضده الآية التالية التي تَعِدّ العذاب عبرةً للآخرين.
ويستخلص القرآن نتيجة القصة: «إِنَّ فِى ذلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى».
فتبيّن الآية إنّ وسائط سلك طريق الإعتبار مهيئة لمن سرى في قلبه الخوف والخشية من اللَّه، واعترته مشاعر الإحساس بالمسؤولية، ومَن رأى العبرة بعين معتبرة اعتبر.