مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢١ - ٧٥ سورة القيامة
فيقول تعالى في سورة التكوير: «إِذَا الشَّمْسُ كُوّرَتْ». أي إذا أظلمت الشمس، ونعلم أنّ ضوء القمر من الشمس، وعندما يزول نور الشمس يزول بذلك نور القمر، وبالتالي تدخل الكرة الأرضية في ظلام دامس وعتمة مرعبة.
وبهذه الطريقة والتحول العظيم ينتهي العالم، ثم يبدأ بعث البشرية بتحول عظيم آخر (بنفخة الصور الثانية والتي تعتبر نفخة الحياة)، فيقول الإنسان في ذلك اليوم: «يَقُولُ الْإِنسنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ».
أجل، الكفرة والمذنبون الذين كذبوا بيوم الدين يبحثون عن ملجأ في ذلك اليوم لشدّة خجلهم، ويطلبون سبل الفرار لثقل خطاياهم وخوفهم من العذاب.
ولكن سرعان ما يقال لهم: «كَلَّا لَاوَزَرَ» [١].
فلا ملجأ إلّاإلى اللَّه تعالى: «إِلَى رَبّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ».
عندئذٍ يضيف في إدامة هذا الحديث: «يُنَبَّؤُا الْإِنسنُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ».
والمراد من هاتين العبارتين هو ما قدم من الأعمال في حياته، أو الآثار الباقية منه بعد موته، ممّا ترك بين الناس من السنن الصالحة والسيئة والتي يعملون ويسيرون بها ووصول حسناتها وسيئاتها إليه، أو الكتب والمؤلفات والأبنية القائمة على الخير والشرّ، والأولاد الصالحين والطالحين التي تصل آثارهم إليه.
في تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله «يُنَبَّؤُا الْإِنسنُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ» قال:
«بما قدم من خير وشرّ وما أخر مما سن من سنّة ليستنّ بها من بعده فإن كان شرّاً كان عليه مثل وزرهم، ولا ينقص من وزرهم شيء، وإن كان خيراً كان له مثل اجورهم، ولا ينقص من اجورهم شيء».
ثم يضيف في
الآية الاخرى
ويقول: إنّ اللَّه وملائكته يطلعون العباد على أعمالهم، وإن كان لا يحتاج إلى ذلك، لأنّ نفسه وأعضاءه هم الشهود عليه في ذلك اليوم، فيقول تعالى: «بَلِ الْإِنسنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيَرةٌ* وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ».
سياق هذه الآيات هو نفس سياق الآيات التي تشير إلى شهادة الأعضاء على أعمال الإنسان، كالآية (٢٠) من سورة فصّلت، حيث يقول اللَّه تعالى: «شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».
[١] «وزر»: تعني في الأصل الملاجىء الجبلية وأمثالها، وتعني في هذه الآية كل نوع من الملجأ والمخبأ.