مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩١ - ٨١ سورة التكوير
ويعرض لنا القرآن لوحة اخرى: «وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ».
«عسعس»: من «العسعسة»، وهي رقة الظلام في طرفي الليل (أوّله وآخره). وبالرغم من اطلاق هذه المفردة على معنيين متفاوتين، ولكن المراد منها في هذه الآية هو آخر الليل فقط بقرينة الآية التالية لها، وهو ما يشابه القسم الوارد في الآية (٣٣) من سورة المدّثّر:
«وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ».
ويأتي القَسم الثالث والأخير من الآيات: «وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ».
ويأتي هذا الوصف في سياق ما ورد في سورة المدّثّر، فبعد القسم بإدبار الليل، قال:
«وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ»، فكأنّ الليل ستارة سوداء قد غطت وجه الصبح، فما أن أدبر الليل حتى رفعت تلك الستارة فبان وجه الصبح مشرقاً، وأسفر للحياة من جديد.
وتجسّد
الآية التالية
جواب القسم للآيات السابقة: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ».
فالجواب موجّه لمن اتّهم النبّي صلى الله عليه و آله باختلاق القرآن ونسبته إلى الباري جلّ شأنه.
وقد تناولت هذه الآية وما بعدها خمسة أوصاف لأمين وحي اللَّه جبرائيل عليه السلام، وهي الأوصاف التي ينبغي توفرها في كل رسول جامع لشرائط الرسالة ...
فالصفة الاولى: إنّه «كريم»: إشارة إلى علوّ مرتبته وجلالة شأنه.
ومن صفاته أيضاً: «ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ».
«ذي العرش»: ذات اللَّه المقدسة.
مع أنّ اللَّه مالك كل عالم الوجود، فقد وصف «بذي العرش» لما للعرش من أهميّة بالغة على غيره (سواء كان العرش بمعنى عالم ما وراء الطبيعة، أو بمعنى مقام العلم المكنون).
أمّا وصفه ب «ذي قوّة» (أي: صاحب قدرة)، لما للقدرة العظيمة والقوّة الفائقة من دور مهم وفعّال في عملية حمل وإبلاغ الرسالة.
«مكين»: صاحب منزلة ومكانة.
والتعبير ب «عند» هو الحضور المقامي والقرب المعنوي.
وتتناول
الآية التالية
الصفة الرابعة والخامسة: «مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ».
ويستفاد من الروايات: إنّ جبرائيل ينزل أحياناً وبصحبته جمع كبير من الملائكة في حال ابلاغه للآيات القرآنية المباركة، وهو ما يوحي بأنّه مطاع بينهم، وهو ما ينبغي أن يكون في كل امّة تتبع رسولًا، فلابدّ من إطاعتها له.