مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٥ - ٦٤ سورة التغابن
يمضي ويذرهم ويقول: أما واللَّه لئن لم تهاجروا معي ثم يجمع اللَّه بيني وبينكم في دار الهجرة لا أنفعكم بشيء أبداً، فلمّا جمع اللَّه بينه وبينهم أمره اللَّه أن يوفي ويحسن ويصلهم فقال: «وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ».
التّفسير
أولادكم وأموالكم وسيلة لإمتحانكم: حذّر القرآن الكريم من مغبّة الوقوع في الحب المفرط للأولاد والأموال، الذي قد يجرّ إلى عدم الطاعة للَّهورسوله حيث قال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ مِن أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ».
إنّ هناك مظاهر عديدة لهذه العداوة، فأحياناً يتعلقون بثيابكم ليحرموكم خير الهجرة، واخرى ينتظرون موتكم ليسيطروا على أموالكم وثروتكم، وما إلى ذلك.
وتظهر هذه العداوة أحياناً بمظهر الصداقة وتقديم الخدمة، وحيناً آخر تظهر بسوء النية وخبث المقصد.
ومن أجل أن لا يؤدي ذلك إلى الخشونة في معاملة الأهل، نجد القرآن يوازن ذلك بقوله في ذيل نفس الآية: «وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ».
فإذا ندموا واعتذروا والتحقوا بكم فلا تتعرضوا لهم بعد ذلك، واعفوا عنهم واصفحوا كما تحبّون أن يعفو اللَّه عنكم.
«العفو»: بمعنى صرف النظر عن العقوبة؛ و «الصفح»: في مرتبة أعلى، ويراد به ترك أي توبيخ ولوم؛ و «الغفران»: الذي يعني ستر الذنب وتناسيه.
وتشير
الآية اللاحقة
إلى أصل كلي آخر حول الأموال والأولاد، حيث تقول: «إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلدُكُمْ فِتْنَةٌ». فإذا تجاوزتم ذلك كله فإنّ: «وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ».
وقد تقدم في الآية السابقة الكلام عن عداء بعض الأزواج والأولاد الذين يدعون الإنسان إلى الانحراف وسلوك طريق الشيطان والمعصية والكفر، وفي هذه الآية نجد الكلام عن أنّ جميع الأموال والأولاد عبارة عن «فتنة»، وهذين الأمرين (الأموال والأولاد) من أهمّ وسائل الإمتحان والإبتلاء.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة:
«لا يقولنّ أحدكم: أللّهم إنّي أعوذ بك من الفتنة لأنّه ليس أحد إلّاوهو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلّات الفتن فإنّ اللَّه سبحانه يقول:
«إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلدُكُمْ فِتْنَةٌ».