مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٦ - ٦٤ سورة التغابن
وجاء في الآية اللاحقة: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لّاَنفُسِكُمْ».
لقد أمر اللَّه تعالى أوّلًا بإجتناب الذنوب، ثم بإطاعة الأوامر، وتعدّ الطاعة في قضية الإنفاق مقدمة لتلك الطاعة، ثم يخبرهم أنّ خير ذلك يعود إليكم ولأنفسكم.
وللتأكيد على أهمية الإنفاق ختمت الآية ب «وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».
«شحّ»: بمعنى «البخل المرادف للحرص»، أنّ هاتين الخصلتين السيّئتين من أكبر الموانع أمام فوز الإنسان، وتغلق عليه سبيل الإنفاق وتصدّه عن الخير.
وفي تفسير علي بن إبراهيم عن الفضل بن أبي مرة قال: رأيت أبا عبداللَّه الصادق عليه السلام يطوف من أوّل الليل إلى الصباح وهو يقول:
«اللّهمّ قني شحّ نفسي»!
فقلت: جعلت فداك ما سمعتك تدعو بغير هذا الدعاء. قال:
«وأي شيء أشد من شحّ النفس وأنّ اللَّه يقول:
«وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»»
. وللتشجيع على الإنفاق والتحذير من البخل، يقول تعالى: «إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ».
فاللَّه الخالق الواهب للنعم الذي له كل شيء، يستقرض منّا ثم يعدنا بأنّه سيعوّضنا أضعاف ذلك، إنّه لطف ما بعده لطف.
«القرض»: في الأصل بمعنى القطع، ولأنّها اقترنت بكلمة «حسن» فإنّها تعني فصل المال عن النفس وإنفاقه في الخير.
وعبارة «يَغْفِرْ لَكُمْ» للإشارة إلى أنّ الإنفاق أحد عوامل غفران الذنوب.
ويقول في آخر الآية: «عَالِمُ الْغَيْبَ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ». إنّه مطّلع على أعمال عباده ومنها النفقة والبذل في سبيل اللَّه، وإنّه غير محتاج لكي يستقرض من عباده وإنّما هو إظهار لكمال لطفه ومحبّته لعباده.
«نهاية تفسير سورة التّغابن»