مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٤ - ٥٨ سورة المجادلة
أي يجب ألّا تتصوروا أنّ مثل هذه الكفارة في مقابل الظهار، كفارة ثقيلة وغير متناسبة مع الفعل، إنّ المقصود بذلك هو الموعظة والإيقاظ لنفوسكم، والكفارة عامل مهم في وضع حدّ لمثل هذه الأعمال القبيحة والمحرمة، ومن ثم السيطرة على أنفسكم وأقوالكم.
وأساساً فإنّ جميع الكفارات لها جنبة روحية وتربوية، والكفارات المالية يكون تأثيرها غالباً أكثر من التعزيرات البدنية.
ولأنّ البعض يحاول أن يتهرّب من إعطاء الكفارة بأعذار واهية في موضوع الظهار، يضيف عزّ وجل أنّه يعلم بذلك حيث يقول في نهاية الآية: «وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ».
إنّه عالم بالظهار، وكذلك عالم بالذين يتهرّبون من الكفارة، وكذلك بنيّاتكم!
ولكن كفارة تحرير (رقبة) قد لا تتيسّر لجميع من يرتكب هذا الذنب كما لاحظنا ذلك في موضوع سبب نزول هذه الآية المباركة.
وقد يتعذّر وجود المملوك، ليقوم المكلّف بتحرير رقبته حتى مع قدرته المالية، كما في عصرنا الحاضر، لهذا كله ولأنّ الإسلام دين عالمي خالد فقد عالج هذه المسألة بحكم آخر يعوّض عن تحرير الرقبة، حيث يقول عزّ وجل: «فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا».
وهذا اللون من الكفارة له أثر عميق على الإنسان، حيث إنّ الصوم بالإضافة إلى أنّه وسيلة لتنقية الروح وتهذيب النفس، فإنّ له تأثيراً عميقاً وفاعلًا في منع تكرّر مثل هذه الأعمال في المستقبل.
ومن الواضح- كما في ظاهر الآية- أنّ مدّة الصوم يجب أن تكون ستّين يوماً متتابعاً، وكثير من فقهاء أهل السنّة أفتوا طبقاً لظاهر الآية، إلّاأنّه قد ورد في روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام أنّ المكلّف إذا صام أيام قلائل حتى ولو يوماً واحداً بعد صوم الشهر الأوّل، فإنّ مصداق التتابع في الشهرين يتحقق، وهذا الرأي حاكم على ظاهر الآية.
ولأنّ الكثير من الناس غير قادرين على الوفاء بالكفارة الثانية، وهي صوم الشهرين المتتابعين، فقد ذكر لذلك بديل آخر حيث يقول سبحانه: «فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِينًا».
والظاهر من الإطعام أن يعطي غذاء يشبع الشخص في وجبة طعام، إلّاأنّ الروايات الإسلامية ذكرت أنّ المقصود بذلك هو
(مدّ)
لإطعام كل واحد (والمد يعادل ٧٥٠ غم).