مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٣ - ٥٨ سورة المجادلة
التّفسير
الظهار عمل جاهلي قبيح: بالنظر إلى ما قيل في سبب النزول، وكذلك طبيعة الموضوعات التي وردت في السورة، فإنّ الآيات الاولى منها واضحة في دلالتها حيث يقول سبحانه: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا».
«تجادل»: من المجادلة مأخوذة من مادة «جدل» وتعني في الأصل (فتل الحبل).
ثم يضيف تعالى: «وَتَشْتَكِى إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا».
«تحاور»: من مادة «حور» بمعنى المراجعة في الحديث أو الفكر.
«إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ». إنّ اللَّه عالم بكل المسموعات والمرئيات، بدون أن يحتاج إلى حواس نظر أو سمع، لأنّه حاضر وناظر في كل مكان، يرى كل شيء ويسمع كل حديث.
ثم يستعرض تعالى حكم الظهار بجمل مختصرة وحاسمة تقضي بقوة على هذا المفهوم الخرافي حيث يقول سبحانه: «الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِن نّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا الِى وَلَدْنَهُمْ».
«الام» و «الولد» ليس بالشيء الذي تصنعه الألفاظ، بل إنّهما حقيقة واقعية عينية خارجية لا يمكن أن تكون من خلال اللعب بالألفاظ.
ويضيف تعالى مكمّلًا الآية: «وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا» [١].
وتماشياً مع مفهوم هذه الآية فإنّ
«الظهار»
عمل محرّم ومنكر، ومع أنّ التكاليف الإلهية لا تشمل الممارسات السابقة، إلّاأنّها ملزمة لحظة نزول الحكم، ولابدّ عندئذ من ترتيب الأثر، حيث يضيف اللَّه سبحانه هذه الآية: «وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌ غَفُورٌ».
وبناءً على هذا فإذا كان المسلم قد إرتكب مثل هذا العمل قبل نزول الآية فلا بأس عليه لأنّ اللَّه سيعفو عنه، وأمّا مسألة الكفارة باقية بقوّتها.
إلّا أنّ مثل هذا العمل القبيح (الظهار) لم يكن شيئاً يستطيع الإسلام أن يغضّ النظر عنه، لذلك فقد جعل له كفارة ثقيلة نسبيّاً كي يمنع من تكراره، وذلك بقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا».
ثم يضيف تعالى: «ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ».
[١] «زور»: في الأصل بمعنى الإنحناء الموجود على الصدر وجاءت أيضاً بمعنى الانحراف، ولأنّ حدود الكذب والباطل منحرفة عن الحق، فيقال له (زور) كما يطلق على الصنم أيضاً بهذا اللحاظ.