مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣١ - ٥٩ سورة الحشر
وبعد بيان المقدمة أعلاه نستعرض أبعاد قصة يهود بني النضير في المدينة حيث يقول سبحانه: «هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ».
«حشر»: في الأصل تحريك جماعة وإخراجها من مقرّها إلى ميدان حرب وما إلى ذلك، والمقصود منه هنا اجتماع وحركة المسلمين من المدينة إلى قلاع اليهود، أو اجتماع اليهود لمحاربة المسلمين، ولأنّ هذا أوّل اجتماع من نوعه فقد سمّي في القرآن الكريم
بأوّل الحشر
، وهذه بحد ذاتها إشارة إلى بداية المواجهة المقبلة مع يهود بني النضير ويهود خيبر وأمثالهم.
ويضيف الباريء عزّ وجل: «مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ اللَّهِ». لقد كانوا مغرورين وراضين عن أنفسهم إلى حدّ أنّهم اعتمدوا على حصونهم المنيعة، وقدرتهم المادية الظاهرية.
ولأنّ اللَّه سبحانه يريد أن يوضّح للجميع أن لا قوّة في الوجود تقاوم إرادته، فإنّ إخراج اليهود من أراضيهم وديارهم بدون حرب، هو دليل على قدرته سبحانه، وتحدّ لليهود الذين ظنّوا أنّ حصونهم مانعتهم من اللَّه.
ولذلك يضيف- استمراراً للبحث الذي ورد في الآية- قوله تعالى: «فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ». نعم، إنّ هذا الجيش غير المرئي هو جيش الخوف الذي يرسله اللَّه تعالى في كثير من الحروب لمساعدة المؤمنين، وقد خيّم على قلوبهم، وسلب منهم قدرة الحركة والمقاومة، لقد جهّزوا وهيّأوا أنفسهم لقتال المهاجرين والأنصار غافلين عن إرادة اللَّه تعالى، حيث يرسل لهم جيشاً من داخلهم.
وفي نهاية الآية- بعنوان استنتاج كلي- يقول تعالى: «فَاعْتَبِرُوا يَأُولِى الْأَبْصَارِ».
«اعتبروا»: من مادة «إعتبار» وفي الأصل مأخوذة من العبور، أي العبور من شيء إلى شيء آخر، ويقال لدمع العين «عبرة» بسبب عبور قطرات الدموع من العين، وكذلك يقال «عبارة» لهذا السبب، حيث إنّها تنقل المطالب والمفاهيم من شخص إلى آخر، وإطلاق «تعبير المنام» على تفسير محتواه، بسبب أنّه ينقل الإنسان من ظاهره إلى باطنه.
وبهذه المناسبة يقال للحوادث التي فيها دروس وعظات «عبر» لأنّها توضّح للإنسان سلسلة من التعاليم الكليّة وتنقله من موضوع إلى آخر.
والتعبير ب
«اولى الأبصار»
إشارة إلى الأشخاص الذين يتعاملون مع الحوادث بعين