مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٨ - ٧٣ سورة المزمل
أشارت الآية الأخيرة من الآيات السابقة إلى أقوال المشركين البذيئة، وعدائهم وإيذائهم للنبي صلى الله عليه و آله، أمّا في هذه الآيات فإنّ اللَّه تعالى يهددهم بالعذاب الأليم، ويدعوهم إلى ترك ما هم عليه، ويواسي المؤمنين الأوائل، فيقول تعالى شأنه: «وَذَرْنِى وَالْمُكَذّبِينَ أُولِى النَّعْمَةِ وَمَهّلْهُمْ قَلِيلًا». أي دعني وايّاهم، واترك عقابهم لي ومهلهم قليلًا. لتتمّ الحجة عليهم ولتظهر ماهيتهم الحقيقية، ويُثقلوا ظهورهم بالخطايا فعندها يحلّ عليهم غضبي.
ولم يمض كثير حتى ازدادت شوكة المسلمين، ووجهوا ضرباتهم القوية لأعداء الرسالة، وذلك في معارك بدر وحنين والأحزاب، وبالتالي كان العذاب الإلهي ينتظرهم في البرزخ، حتى يخلدوا بعد ذلك في النار في يوم القيامة.
ثم يقول مصرّحاً: «إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا».
«الأنكال»: جمع (نكل)، على وزن (فكر) وهي السلاسل الثقال، وأصلها من نكول الضعف والعجز، أي أنّ الإنسان يفقد الحركة بتقييد أعضائه بالسلاسل.
نعم، لقد تنعموا في الدنيا وأخذوا حريتهم المطلقة، ولهذا لابدّ لهم من القيود والنار.
وكذا يضيف: «وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا».
هذا مصير من كان يتلذذ بالطعام بعكس ما كان طعامهم في الدنيا الحرام، حيث العذاب الأليم، ولما تمتع به المغرورون والمستكبرون من الراحة غير المشروعة في هذه الدنيا، والطعام الموصوف بالغصّة هو بحد ذاته عذاب أليم، ثم يتبع ذلك بذكر العذاب الأليم على إنفراد، وهذا يشير إلى أنّ أبعاد العذاب الاخروي لا يعلم شدّته وعظمته إلّااللَّه تعالى، ولهذا ورد في حديث أنّ النبي صلى الله عليه و آله سمع قارئاً يقرأ هذه فصعق [١].
ثم يشرح ما يجري في ذلك اليوم الذي يظهر فيه هذا العذاب فيقول: «يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا».
«الكثيب»: يراد به الرمل المتراكم؛ و «المهيل»: من هيل- على وزن كيل- هو صبّ شيء ناعم كالرمل على شيء، ويراد بالمعنى هنا الرمل الناعم وما لا يستقر، والمعنى أنّ الجبال تتلاشى بحيث تظهر بهيئة الرمل الناعم، وإذا ما ديست بالأقدام فإنّها تطمس فيها.
ثم يقارن بين بعثة النبي صلى الله عليه و آله ومخالفة الأشداء العرب، وبين نهوض موسى بن عمران بوجه الفراعنة فيقول تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا».
[١] تفسير مجمع البيان ١٠/ ١٦٦.