مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٢ - ٥٧ سورة الحديد
على عرش القدرة دائماً: تحدثت الآيات السابقة عن إحدى عشرة صفة للذات الإلهية المقدسة، وتبيّن الآيات أعلاه أوصافاً اخرى حيث اشير في الآية الاولى مورد البحث إلى خمسة أوصاف اخرى من صفات جلاله وجماله. ويبدأ الحديث عن مسألة الخلقة حيث يقول سبحانه: «هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ».
لقد ذكرت مسألة الخلقة في
(ستّة أيام)
سبع مرّات في القرآن الكريم، المرّة الاولى في الآية (٥٤) من سورة الأعراف، والأخيرة هي هذه الآية مورد البحث (الحديد/ ٤).
فإنّ المقصود من
(اليوم)
في هذه الآيات ليس المعنى المتعارف (لليوم)، بل المقصود هو (الزمان) سواء كان هذا الزمان قصيراً أو طويلًا حتى لو بلغ ملايين السنين.
ثم تتطرق الآيات إلى مسألة الحكومة وتدبير العالم حيث يقول سبحانه: «ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ».
إنّ زمام حكومة وتدبير العالم كانت دائماً بيده ولا زالت، وبدون شك فإنّ اللَّه تعالى ليس جسماً، ولذا فليس معنى «العرش» هنا هو عرش السلطة، والتعبير كناية لطيفة عن الحاكمية المطلقة للَّهسبحانه ونفوذ تدبيره في عالم الوجود.
ثم يستعرض نوعاً آخر من علمه اللا متناهي بقوله تعالى: «يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا».
وفي رابع وخامس صفة له سبحانه يركّز حول نقطة مهمة حيث يقول: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ».
وكيف لا يكون معنا في الوقت الذي نعتمد عليه، ليس في إيجادنا فحسب، بل في البقاء لحظة بلحظة- أيضاً- ونستمدّ منه العون، إنّه روح عالم الوجود.
الحقيقة أنّ الاحساس بأنّ اللَّه معنا في كل مكان يعطي للإنسان عظمة وجلالًا من جهة، ومن جهة اخرى يخلق فيه إعتماداً على النفس وشجاعة وشهامة، ومن جهة ثالثة فإنّه يثير إحساساً شديداً بالمسؤولية، لأنّ اللَّه حاضر معنا في كل مكان، وناظر ومراقب لأعمالنا، وهذا أكبر درس تربوي لنا. وهذا الاعتقاد يمثّل دافعاً جدّياً للتقوى والطهارة والعمل الصالح في الإنسان، ويعتبر رمز عظمته وعزّته.
وبعد مسألة الحاكمية والتدبير يأتي الحديث عن مسألة مالكيته سبحانه في كل عالم الوجود، حيث يقول: «لَّهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ».