البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢١ - ٣ الروَية في منطق العلم والعقل
يتعلّق إلاّ بالمحسوس لا بالمجرّد.
ثم إنّ الرازي أراد الخدش في هذا الاَمر البديهي ولكنّه رجع خائباً واعترض على هذا الاستدلال بوجهين:
الاَوّل: أنّ ادّعاء الضرورة والبداهة على امتناع روَية الموجود المنزّه عن المكان والجهة أمر باطل، لاَنّه لو كان بديهياً لكان متّفقاً عليه بين العقلاء وهذا غير متّفق عليه بينهم، فلا يكون بديهياً ولذلك لو عرضنا قضية أنّ الواحد نصف الاثنين لا يختلف فيه اثنان، وليست القضية الاَُولى في البداهة في قوة القضية الثانية [ ١ ].
يلاحظ عليه: بأنّه خفى على الرازي أنّ للبداهة مراتب مختلفة، فكون نور القمر مستفاداً من الشمس قضية بديهية ولكن أين هذه البداهة من بداهة قولنا: الواحد نصف الاثنين؟ أضف إلى ذلك أنّ العقلاء متّفقون على لزوم المقابلة أو حكمها على تحقق الروَية، وإنّما خالف فيه، أمثال من خالف القضايا البديهية كالسوفسطائيين حيث ارتابوا في وجودهم وعلومهم وأفعالهم مع أنّهم كانوا يعدّون من الطبقات العليا في المجتمع اليوناني.
الثاني: أنّ المقابلة شرط في الروَية في الشاهد فلم قلتم إنّه في الغائب كذلك وتحقيقه، هو أنّ ذات اللّه تعالى مخالفة بالحقيقة والماهية لهذه الحوادث والمختلفات في الماهية لا يجب استواوَها في اللوازم فلم يلزم من كون الاِدراك واجباً في الشاهد عن حضور هذه الشرائط، كونه واجباً في الغائب عند حضورها [ ٢ ].
هذا كلامه في كتاب الاَربعين ويقول في تفسيره: «ألم تعلموا أنّ ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات، ولا يلزم من ثبوت حكم في شيء ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه، والعجب أنّ القائلين بالامتناع يدّعون الفطنة والكياسة ولم يتنبّه أحد
[١]الرازي: الاَربعون: ١٩٠، ولاحظ أيضاً مفاتيح الغيب: ١٣|١٣٠.
[٢]الرازي: الاَربعون: ١٩٠ ـ ١٩١، وانظر أيضاً: ٢١٧، ٢١٨، ٣١٣.