البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٩ - الاحتجاج بالكتاب
الاستدلال بالآية على الرخصة على التقدير الثاني.
وثانياً: أنّ الآية ليست بصدد بيان أنّ القصر رخصة أو عزيمة، لاَنّها وردت في رفع توهم الحظر، وكان المخاطب يتصوّر أنّ القصر نقصان في الصلاة وهو أمر محظور، فنزلت الآية لدفع هذا التوهم لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنّوا إليه. [ ١ ] وأمّا أنّه واجب أو سائغ فإنّما يطلب من دليل آخر وهو السنّة وقد عرفت أنّها تضافرت على كونه عزيمة.
نظير ذلك قوله سبحانه في السعي بين الصفا والمروة، فقد وردت فيه تلك اللفظة مع كونه عزيمة قال سبحانه: («إنَّ الصَّفَا والمَروَةَ مِن شَعائِرِ اللّه فَمَن حَجَّ البَيتَ أو اعتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيهِ أن يَطَّوَّفَ بِهما وَمَن تَطَوَّعَ خَيراً فَإنَّ اللّهَ شاكِرٌ عَلِيم»)(البقرة ـ ١٥٨) مع كون الطواف واجباً، وذلك لاَنّ المقام مقام التشريع، ويكفي فيه مجرد الكشف عن جعل الحكم من غير حاجة إلى استيفاء جميع الحكم وخصوصياته [ ٢ ].
ويوَيد هذا التفسير ما روي عن الباقر ( عليه السلام ) وقد سأله زرارة ومحمد بن مسلم وقالوا: ما نقول في الصّلاة في السفر كيف هي ؟ وكم هي ؟ فقال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: («وَإذا ضَرَبتُمْ في الاَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيكُم جُناحٌ أن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاة») فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر» قالا: قلنا: إنّما قال اللّه عزّ وجل: («فَلَيسَ عَلَيكُم جُناحٌ») ولم يقل «إفعلوا»، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟ فقال ( عليه السلام ) : «أو ليس قد قال اللّه عزّ وجلّ: («إنَّ الصَّفَا والمَروَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ فَمَن حَجَّ البَيتَ أو اعتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِما») ألا ترون أنّ الطواف لهما واجب مفروض؟ لاَنّ اللّه عزّ وجلّ ذكره في كتابه
[١]الزمخشري: الكشاف: ١|٢٩٤ ط دار المعرفة بيروت.
[٢]السيد الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن: ٥|٦١.