البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٥ - ما لم يكن في القرون الثلاثة
إنّ الاحتجاج بهذه الرواية على أنّ الميزان في تمييز البدعة عن السنّة، هو أنّ كل ما حدث في القرون الثلاثة الاَُولى فليس ببدعة، وأمّا الحادث بعدها فهو بدعة، باطل بوجوه:
الاَوّل: إنّ القرن في اللغة هو النسل [ ١ ]وبهذا المعنى استعمل في القرآن الكريم قال سبحانه: («فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخرين») (الاَنعام ـ ٦) وبما أنّ المتعارف في عمر كلّ نسل هو الستّون أو السبعون، يكون المراد، مجموع تلك السنين التي تتراوح بين ١٨٠ و ٢١٠ وأين هو من تفسير الحديث بثلاثمائة سنة؟!
الثاني: إنّ شرّاح الحديث اختلفوا في تفسير الرواية، وعلى كلّتفسير لا يستفاد منها ما يتبنّاه الكاتب، فمن قائل إلى أنّ المراد من القرن في قوله: «قرني» هو أصحابه ومن «الذين يلونهم» أبناءهم ومن «الثالث» أبناء أبنائهم.
إلى آخر بأنّ قرنه ما بقيت عين رأته، ومن الثاني ما بقيت عين رأت من رآه، ثم كذلك.
إلى ثالث أنّ قرنه الصحابة، والثاني التابعون والثالث تابعوهم [ ٢ ].
وعلى كلّ تقدير تكون المدّة أقلّ من ثلاثة قرون، فمثلاً نأخذ بالقول الاَخير الذي هو أعمّ الاَقوال وأوسعها.
فإنّ آخر من مات من الصحابة هو أبو الطفيل وقد اختلفوا في تاريخ وفاته على أقوال: أنّه توفّي سنة ١٢٠ هـ أو دونها أو فوقها بقليل، وأمّا قرن التابعين فآخر من توفّي منهم كان عام ١٧٠هـ أو ١٨٠ هـ و آخر من عاش من أتباع التابعين ممّن يقبل قوله، من توفي حدود ٢٢٠هـ، فيقل عن ثلاثة قرون بثمانين سنة وهذا
[١]الخليل: العين: ابن منظور: اللسان، مادة «قران».
[٢]النووي: شرح صحيح مسلم : ١٦|٨٥.