البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤١ - تشكيكات ثلاث
حيث قال: لا نسلّم أنّ إدراك البصر تعبير عن الروَية بل هو بمعنى الاِحاطة، فالمرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته صار كأنّ ذلك الاِبصار إحاطة به فسمّى هذه الروَية إدراكاً، أمّا إذا لم يحط البصر بحوانب المرئي لم تسمّ تلك الروَية إدراكاً، فالحاصل أنّ الروَية جنس تحتها نوعان، روَية مع الاِحاطة وروَية لا مع الاِحاطة. والروَية مع الاِحاطة هي المسماة بالاِدراك فنفي الاِدراك يفيد نفيَ نوع واحد من نوعي الروَية، ونفي النوع لا يوجب نفس الجنس، فلم يلزم من نفي الاِدراك عن اللّه تعالى نفي الروَية عنه، ثم قال: فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم [ ١ ].
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره الرازي افتراء على اللغة حفاظاً على المذهب وهذا أشبه بتفسير القرآن بالرأي، ولولا أنّ الرازي من أتباع المذهب الاَشعري لما تجرّأ بذلك التصرف.
نسأله: ما الدليل على أنّ الاِدراك إذا اقترن بالبصر يكون بمعنى الاِدراك الاِحاطي، مع أنّنا نجد خلافه في الاَمثلة التالية، نقول: أدركت طعمه، أو ريحه، أو صوته، فهل هذه بمعنى أحطنا إحاطة تامة عليها، أو أنّه بمعنى مجرد الدرك بالاَدوات المذكورة من غير اختصاص بصورة الاِحاطة، مثل قولهم أدرك الرسول، فهل هو بمعنى الاِحاطة بحياته أو يراد منه إدراكه مرة أو مرتين، ولم يفسره أحد من أصحاب المعاجم بما ذكره الرازي.
وحاصل الكلام أنّ اللفظة إذا اقترنت ببعض أدوات الاِدراك كالبصر والسمع يحمل المعنى الكلي أي اللحوق والوصول على الروَية والسماع سواء كان الاِدراك عل وجه الاِحاطة أو لا، وأمّا إذا تجرّدت اللفظة عن القرينة تكون بمعنى نفس اللحوق، قال سبحانه: «حَتّى إذا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلهَ إلاّ الَّذِي
[١]الرازي: مفاتيح الغيب: ١٣|١٢٧.