البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣١ - ٤موقف الذِّكر الحكيم من أمر الروَية إجمالاً
٤ـ وقال سبحانه: («و اختارَ مُوسى قَومَهُ سَبعِينَ رَجُلاً لِميقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهُم مِنْ قَبلُ وإيّايَ أَتُهلِكُنا بِما فعلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إنْ هِيَ إلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وتَهدِي مَنْ تَشاءُ أَنتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وارحَمنا وأنتَ خَيرُ الغافِرينَ») (الاَعراف ـ ١٥٥) .
فالمتدبّر في هذه الآيات يقضي بأنّ القرآن الكريم يستعظم الروَية ويستفظع سوَالها ويقبّحه ويعدّ الاِنسان قاصراً عن أن ينالها على وجه ينزل العذاب غبَّ سوَالها. فلو كانت الروَية أمراً ممكناً ولو في وقت آخر لكان عليه سبحانه أن يتلطّف عليهم بأنّكم سترونه في الحياة الآخرة لا في الحياة الدنيا، ولكنّا نرى أنّه سبحانه يقابلهم بنزول الصاعقة فيقتلهم ثم يحييهم بدعاء موسى، كما أنّ موسى لما طلب الروَية وأُجيب بالمنع تاب إلى اللّه سبحانه وقال: («أنا أوّل الموَمنين») بأنّك لا تُرى. فإذا كانت الروَية نعمة عظمى كما يدّعيها القوم، فلا وجه لنزول العذاب عند طلبها غاية الاَمر، يجاب السائل بعدم الاِمكان في الدنيا.
فالاِمعان بما ورد فيها من عتاب وتنديد بل وإماتة وإنزال عذاب يدلّ بوضوح على أنّ الروَية فوق قابلية الاِنسان، وطلبه إليها أشبه بالتطلّع إلى أمر محال. فعند ذلك لو قيل للمتدبر بالآيات: إنّه روى قيس بن أبي حازم أنّه حدّثه جرير و قال: خرج علينا رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليلة البدر فقال: «إنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في روَيته» [ ١ ] يجد الحديث مناقضاً لما ورد في هذه الآيات ويحدِّث في نفسه أنّه كيف صار الاَمر الممتنع أمراً ممكناً، والاِنسان غير الموَهّل على الروَية موَهّلاً لها.
إنّ هنا محاولتين، للتخلّص من التضاد الموجود بين الآيات، وخبر قيس
بن أبي حازم الدال على وقوع الروَية في الآخر نأتي بهما.
[١]البخاري: الصحيح: ٤|٢٠٠.