المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢٠ - ٤ الاستدلال على حجّية الخبر الواحد بالسيرة العقلائية
السيرة والآيات الناهية عن الظن
لا شكّ أنّ الاحتجاج بالسيرة فرع عدم الردع عنها شأن كلّ سيرة يستدلّ بها على حكم شرعي وربما يتصوّر أنّ الآيات الماضية والروايات المانعة عن اتّباع غير العلم رادعة عنها، وناهيك قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)[١]، وقوله تعالى: (وَإِنّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)[٢].
والجواب: أنّ الظن الوارد في الآية وحتّى «غير العلم» في قوله: (مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)غير الظن الموجود في خبر الثقة وبينهما من النسب الأربع هو التباين، وذلك لأنّ الآيات الناهية ناظرة إلى الوهم والخيال والخرص والتخمين بشهادة تسميتهم الملائكة أُنثى فقد وصفه سبحانه وتعالى بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)[٣] .
وقوله: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ)[٤].
وقد تكرر وصفهم بالخرص في غير واحد من الآيات [٥]، فبناء على هذا فالآيات لا تشمل الظن المستفاد من قول الثقة الّذي يبلغ مرحلة الاطمئنان ويسكن إليه القلب، وخبر الثقة خارج عنها خروجاً موضوعيّاً.
هذا هو الجواب الحقيقي عن الإشكال .
ثم إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن الإشكال بوجوه ثلاثة:
[١] الإسراء:٣٦. ٢ . النجم:٢٨. ٣ . النجم: ٢٧ ـ ٢٨ . ٤ . الأنعام: ١٤٨ .
[٥] لاحظ الأنعام: ١١٦ ; يونس: ٦٦ ; الزخرف: ٢٠ .