المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٣ - الثاني كشفه عن الدليل المعتبر
كلّ مخبر في الأوّل يخبر عن حس، والاشتباه في الحس قليلٌ، واحتمال تعمدّ الكذب مردود بالعلم بالوثاقة أو العدالة، وهذا بخلاف المقام فإنّ كلّ واحد من أصحاب الفتوى يخبر عن حدس حيث يستنبط الحكم من الكتاب، والسنة، والروايات، والقواعد، والاشتباه في المسائل غير الحسّية ليس بقليل.
وهناك فرق آخر بين إفتاء المجمعين وإخبار المخبرين، فإنّ إخبار كلّ مخبر عن رؤية الهلال إخبارٌ بالقطع، غير أنّ قطعه يتنزل عندنا مكان الظن، وهكذا سائر المخبرين تتنزّل إخباراتهم القطعية مكان الظنون، ومن المعلوم أنّ تراكم الظنون ينتهي إلى القطع بخلاف الإفتاء، فإنّ كلّ فقيه لا يصدر عن القطع، بل الغالب يصدر عن الدليل الظنّي. ومن المعلوم أنّ اجتماع الظنون لا يفيد إلاّ الظن بالحكم. فتأمّل .[١]
الثاني: كشفه عن الدليل المعتبر
إنّ اتّفاق العلماء يكشف عن وجود دليل معتبر وصل إليهم ولم يصل إلينا، وهذا هو الّذي اعتمد عليه صاحب الفصول وقال: يستكشف قول المعصوم أو دليل معتبر، باتّفاق علمائنا الذين كان ديدنهم الانقطاع إلى الأئمة في الأحكام، وطريقتهم التحرّز عن القول بالرأي والاستحسان.
[١] وجه التأمّل أنّ اجتماع الظنون ربّما يرتقي إلى درجة القطع بالحكم، لأنّ كلّ ظنّ يعضد الظن الآخر، فإذا كثر التعاضد ربّما يحصل القطع، فهذا الوجه لا يخلو من إشكال. والمهمّ هو الوجه الأوّل.