ينابيع المودة لذو القربى - القندوزي، سليمان بن ابراهيم - الصفحة ٢٤ - في ذكر قصة ليلة الهرير و هي الليلة العظيمة التي كانت في صفين و يضرب بها المثل و في ذكر خطبته و وصيته عليه السّلام
و إنّ الحاكمين[لمّا]التقيا بدومة الجندل؛ أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام و يقول: إنّك سبقت في الاسلام منّي، و أنت أكبر منّي سنّا، فتكلّم ثم أتكلّم أنا، فجعل ذلك عادة[بينهما] [١] ، و إنّما كان مكرا و خديعة و اغترارا له أن يقدّمه فيبدأ بخلع علي عليه السّلام ثم يرى رأيه.
و قال ابن ديزل في كتاب «صفين» : إنّ عمرو أعطى أبا موسى صدر المجالس، و التقدّم في الصلاة، و في الطعام[لا يأكل حتى يأكل]و[كان]لا يتكلّم قبله، و[إذا خاطبه فانّما]يخاطبه بأجلّ الأسماء، و يقول له: يا صاحب رسول اللّه؛ حتى اطمأن عليه و ظنّ أنّه لا يغشّه.
ثم يوما قال له عمرو: أخبرني ما رأيك يا أبا موسى؟
قال: أرى أن أخلع هذين الرجلين، و نجعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون من شاءوا.
فقال عمرو: الرأي و اللّه رأيك.
فأقبلا الى الناس و هم مجتمعون، فتكلّم أبو موسى، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:
[إنّ رأيي و رأي عمرو قد اتّفق على أمر نرجو أن يصالح اللّه به شأن هذه الأمّة.
فقال عمرو: صدق.
ثم قال له: تقدّم يا أبا موسى فتكلّم.
فقام ليتكلّم، فدعاه ابن عباس، فقال له: ويحك!و اللّه إني لأظنّه خدعك؛ إن كنتما اتفقتما على أمر فقدّمه قبلك ليتكلّم به ثم تكلّم أنت بعده، فانّه رجل غدّار، و لا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك و بينه، فاذا قمت به في الناس
[١] شرح النهج ٢/٢٥٤.