مشارق الشموس - الخوانساري، حسين بن جمال الدين - الصفحة ٩
أتى المكلف بالصلوة بدون الوضوء فقد خرج عن عهدة الامر بالصلوة المطلقة لكن يبقى في عهدة التكليف بالوضوء وتحصيل كمال الصلوة فتدبر وقس عليه الكلام في الاخبار المتقدمة سؤالا وجوابا وقد يستدل بالاية على هذا المطلب بوجه آخر وهو أن يقال إنه قد استفيد منها وجوب الوضوء قبل الصلوة والامر بالشئ مستلزم للنهي عن ضده فتكون الصلوة التي هي ضد الوضوء منهيا عنها فتكون فاسدة فثبت الاشتراط وفيه إنه موقوف على ثبوت إن الامر بالشئ مستلزم للنهي عن ضده والنهي مستلزم للفساد وكلاهما ممنوعان وهاهنا شك آخر وهو إن معنى كون الامر بالشئ مستلزما للنهي عن ضده إنه إذا كان شئ مأمور به في وقت ولم يأت المكلف في ذلك الوقت بذلك الشئ بل أتى بضده يكون ذلك الضد حراما منهيا عنه وحينئذ نقول تحقق هذا المعنى مما لا يمكن فيما نحن فيه لانه إذا كان الوضوء واجبا قبل الصلوة فالاتيان بالصلوة في وقته إنما يتحقق بإتيان الصلوة قبل الصلاة هف والجواب أن المراد أن وقت الوضوء إنما هو بعد إرادة الصلاة كما هو مدلول الاية الكريمة ولا شك في إمكان الاتيان بالصلوة في ذلك الوقت فارتفع الخلف فإن قلت المأمور به في الاية أما الوضوء بعد الارادة المتصلة بالصلوة وبعد الارادة المنفصلة عنها بقدر الوضوء والاول باطل لانه تكليف بما لا يطاق وعلى الثاني يلزم ما ذكرنا أولا من عدم إمكان الاتيان بالصلاة في وقت الوضوء لان المفروض وقته وقت انفصال الصلوة عن الارادة فكيف يمكن أن يصير وقتا للصلوة إذ يلزم حينئذ أن يكون الصلوة متصلة بالارادة منفصلة عنها هف قلت وقت الوضوء بعد الارادة التي يمكن انفصالها عن الصلوة واتصالها بها باختيار المكلف وحينئذ نقول إن كل جزء من أجزاء أوقات ما بعد تحقق الارادة وقت الوضوء ويمكن الاتيان بالصلوة فيه أيضا لما ذكرنا من إن الاتصال والانفصال باختيار المكلف فلو لم يأت المكلف بالوضوء وأتى بالصلوة فقد أتى بضد المأمور به فيكون منهيا عنه فاندفع المحذوران فإن قلت إن تلك الارادة إن كانت تامة يجب الاتصال وإن كانت ناقصة يجب الانفصال قلت إنها ناقصة وإنما يجب الانفصال لو لم تصر تامة هذا ثم إن في المقام كلاما آخر وهو إنه قد ثبت بما ذكر إمكان الاتيان بالصلوة في وقت الوضوء لكن هذا مما لا يكفي في إثبات المرام لان الاتيان بضد المأمور به في وقته إنما يكون منهيا عنه إذا كان وجوب المأمور به مضيقا وأما إذا كان موسعا فلا كما تقرر في الاصول وعلى هذا نقول لا شك إن وقت الوضوء الذي هو أوقات حصول الارادة متسع فلو أتى المكلف بالصلوة في جزء منها لم يأت بضد المأمور به في وقته المضيق نعم إذا بقي من الوقت مقدار الوضوء والصلوة فعسى أن يكون جريان الدليل فيه ممكنا أما قبله فلا فتأمل فالاولى أن يستدل بالاية على المرام بطريق آخر بأن يقال يستفاد من الاية عرفا إن الوضوء قبل الصلوة واجب وإذا أتى المكلف بالصلوة بدون الوضوء فيلزم حينئذ أن لا يمكن الاتيان بالوضوء المأمور به إذ لا شك إن بعد الاتيان بالصلوة لا يمكن الوضوء الكائن قبل الصلوة فيلزم ترك الواجب وترك الواجب حرام وملزوم الحرام حرام فيكون الاتيان بالصلوة الملزوم لترك الوضوء حراما وهذا مثل ما إذا كان أحد مأمورا بالصعود على السطح المتوقف على السلم فكسره باختياره أو كان مكلفا بالوضوء فأراق الماء ونحو ذلك لا يقال إنا لا نسلم عدم الامكان الاتيان بالوضوء المتقدم على الصلوة بعد الصلوة إذ يمكن أن يتوضأ ويصلي صلوة أخرى لان المأمور به الوضوء المتقدم على الصلوة التي يتحقق بها امتثال الامر ولا شك أن بالصلوة السابقة على تقدير صحتها يتحقق الامتثال والخروج عن العهدة ولا يمكن تحقق هذا الوصف في الصلوة اللاحقة فلا يكون الاتيان بالوضوء المذكور إتيانا بالمأمور به كما لا يخفى واعلم إن إتمام هذا الوجه أيضا موقوف على ثبوت أن ملزوم الحرام حرام وهو أيضا مما يقبل المنع كالمقدمتين السابقتين فتدبر بقي في المقام شئ وهو أنه قد ظهر بما ذكرنا وتلونا عليك وجوب الوضوء بالمعنيين للصلوة في الجملة كما ذكرنا في صدر المقامين وأما وجوبه لجميع الصلوة الواجبة سوى صلوة الجنازة بكل من المعنيين كما هو مدعى القوم ففيه خفاء وتفصيل المقام إن وجوب الوضوء بمعنى الشرطية وتوقف الصحة عليه لجميع الصلوة الواجبة بل المندوبة أيضا سوى صلوة الجنازة مما لا ينبغي أن يشك فيه للاجماع الصريح ودلالة بعض الاخبار المتقدمة عليه أيضا مثل لا صلوة إلا بطهور إذ نفى الصحة أقرب المجازات إلى الحقيقة التي هي نفي الوجود كما لا يخفى والصلوة ثلاثة أثلاث ونحو ذلك وأما وجوبه بالمعنى الاول لجميع الصلوات الواجبة ففيه نوع خفاء إذ لا يمكن أن يستدل عليه بالاية لانه لو حمل الاية على العموم بالنسبة إلى الواجب والمندوب فيلزم أن لا يمكن حمل الامر في فاغسلوا على الوجوب بل الرجحان المطلق وحينئذ لا يثبت المدعى مع أنه لو حمل على العموم لكان قابلا للمنع إذ احتمال العهدية وكون المراد الفرد المتعارف أعني الصلوة اليومية احتمال ظاهر بل هو أولى من العموم على ما قيل أن اللام حقيقية في العهد ولو خصص بالصلوة الواجبة وعمم بالنسبة إلى أفرادها ففيه أنه لا دليل على التخصص ولو جعل دليل التخصيص إبقاء الامر على ظاهره من الوجوب فيرد عليه أن إبقاء الامر على ظاهره ليس أولى من إبقاء العام على ظاهره فهلا أبقيته على العموم وأخرجت الامر عن ظاهره مع ما فيه من ظهور احتمال العهدية كما عرفت وكذا لا يتم الاستدلال بالاخبار المتقدمة إذ ليس فيها ما يدل على عموم الوجوب كما لا يخفى وكذا الاستدلال عليه بشرطيته للصلوة بأن يقال قد ثبت بالاجماع والاخبار شرطية لجميع الصلواة الواجبة وشرط الواجب واجب فيكون واجبا لجميع الصلوة لان الكبرى ممنوعة وموضعه في الاصول