رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ١٤٨ - التمارين و التسليات التي يقوم بها الشرقيون في أوقات فراغهم
نقول إن موسيقيي الشرق و مغنيه ليسوا ماهرين و لقد سمعت بعض الشيوخ يرتل القرآن و كنت أعجب بترتيلهم فهم لا يصرخون أبدا في محاولة رفع صوتهم. كما و حضرت بعض الحفلات الموسيقية التركية في بغداد و القسطنطينية، و مع أنها لا تشبه حفلاتنا إلا أني أكيد أنها ستعجب أي أورويي لا يطلب المستحيل. إن أكثر ما يسمعه المسافر الأورويي في البلدان المشرقية هو الموسيقى السيئة التي تعزف في الشوارع. قبيل سفرنا من القاهرة إلى دمياط، غنّى لنا البحارة أغنيات حب شبهوا فيها حبيباتهم بخيار دمشق و عيونهن بعيون الغزال و تغنّوا بجمال أيديهن الصفراء و أظافرهن الحمراء ... و كان أحدهم يبدأ بغناء مقطع فيكرر الباقون الكلمات نفسها و اللحن نفسه ثلاث أو أربع أو خمس مرات كل مرة بطبقة موسيقية مختلفة. و بدلا من الطبلة كانوا يصفقون معا. و لن يعجب أي أورويي بالزغاريد التي تطلقها الراقصات المصريات كما أن موسيقانا لا تعجب الأتراك و العرب. و تكون ألحان الشرقيين عادة بسيطة و هم يحبذون أن يفهم السامع كل كلمات الأغنية. عند ما يعزف اللحن بعدة آلات موسيقية مع مرافقة غنائية، نسمعهم جميعا يؤدون النغم نفسه. و سأذكر لكم مثلا على أن موسيقانا ليست من ذوق الشرقيين كما أن موسيقاهم ليست من ذوقنا. أقمنا حفلا موسيقيا في القاهرة تألف عازفوه من بعض التجار و الرهبان و السيد بورنفايند و أنا. و في أثناء عودتنا إلى المنزل، كنا أكيدين من أن عزفنا قد لاقى إعجابا شديدا في هذا البلد فالتقينا في الظلام برجل مصري يغني و بآخر يصحبه على الناي. و لشدة ما أعجب أحد خدامنا بهذه الموسيقى صرخ: بارك الله، هذه موسيقى جميلة. عجبنا من قول الخادم و سألناه عن رأيه في موسيقانا فأجاب أنها تشبه الضجيج الصاخب الذي لا يمكن أن يتلذذ فيه المرء. و لقد عزفنا أحيانا أنا و السيد بورنفايند لبعض العرب من الطبقات الرفيعة، و مع أنهم لم يبدوا عدم إعجابهم بموسيقانا مباشرة إلا أنهم اعتبروا أن موسيقاهم فيها رجولة أكثر من موسيقانا و أنها أجمل منها.
و لأني عازف سيىء لم أجد الوقت أو الفرصة لتعلم موسيقى الشرقيين و وجدت أن خير سبيل لأعطي الأوروبيين فكرة عنها هو عن طريق رسم آلاتهم الموسيقية. و سأحيلكم في هذا الإطار إلى اللوحة ٢٦.
الآلة (أ) هي التي يستعملها اليونانيون الآتون إلى مصر من جزر الأرخبيل. تسمى هذه الآلة «طمبورة» باللغة العربية. فيها و تران من الفولاذ. يسمي اليونانيون الآلة (ب) سووري(Sewچri) و هي تتألف من أربعة أوتار من الفولاذ و من وتر مزدوج من الشبهان. يسمي اليونانيون الآلة (ج) بقلاما(Baglam) و طمبورة(Tambچra) . و ربما يطلق اليونانيون على الآلات الموسيقية الوترية كافة الاسم الأول و العرب يطلقون عليها الاسم الثاني. لا تختلف هذه الآلة عن سابقتها إلا بالحجم و هي تتألف من ثلاثة أوتار واحد من الفولاذ و اثنان من الشبهان. تلف حول مقبض هذه الآلات حبال من معي الحيوان لجعل الأنغام أكثر ارتفاعا بتلمس هذه الأوتار بواسطة ريشة و غالبا ما يرافق الموسيقى الغناء. و يتألف هيكل هذه الآلات من الخشب الرقيق و لا يكون خوانها مقوسا و لا الملوى قريبا من المقبض. الصورة (د) هي صورة آلة بكمان (مقوس) يسميها اليونانيون ليرا(Lyra) . فيها ثلاثة أوتار من معي الحيوان لا تلمس من الأعلى بل