رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٩٨ - في بولاق و مصر العتيقة و الجيزة
رأسه ٤ مفتين يمثلون المذاهب الأربعة: الشافعي، و الحنفي، و الحنبلي و المالكي. يتميز جامع السلطان حسن، الواقع على مقربة من الرميل، بجماله و ارتفاعه و صلابته. و لما كان يستعمل قديما كمربض للمدافع، أحيطت بوابات المعبد بالأسوار. و الجدير ذكره أن عدد الجوامع في القاهرة كبير جدا، و أظن أن تعدادها و ذكر أسمائها و الإشارة إلى موقعها على الخارطة قد يثير ملل القارىء. سأكتفي إذن بالقول: إن عددا كبيرا منها له أكثر من منارة، محاطة برواق أو أكثر، تستعمل لدعوة الناس إلى الصلاة. يقول المسلمون، إن رنين الأجراس خاص بالدواب؛ يعلقون أجراسا صغيرة بالجمال و البغال التي تستعمل في القوافل. و تقتصر زينة الجوامع على السجاد الفاخر أو الحصر البسيطة، و النقوش الذهبية على الجدران، التي تتضمن آيات قرآنية و قناديل غير جميلة معلقة أفقيا بسلسلة من الحلقات. و من الجهة المقابلة لمكة، نرى كوة من المرمر، تسمى القبلة، وضع أمامها شمعدانان كبيران فيهما شموع طويلة و خلال الصلاة يوجّه المسلمون كلهم وجوههم نحو القبلة. أما المارستان فهو مستشفى المجانين و المرضى و يقال إن مؤلفات العرب تتحدث تفصيليا عن عائدات المستشفى و الجوامع الكبيرة. و اللافت للنظر أن المشرفين على إدارة هذه الأموال يغتنون بسرعة، بينما تفتقر الجوامع شيئا فشيئا، إلا أن يظهر ورثة جدد يحاولون إصلاح الأضرار التي تسببها هذه العمليات. و مما لا شك فيه أن هذا المستشفى مجهز بكل ما يحتاجه المريض، حتى الموسيقى. و من المعروف أنه لسنوات خلت حرم المرضى من هذه التسلية؛ و لكن الفضل يعود لعبد الرحمن الكخيا في التمتع بها ثانية. و لم أر من هذا المبنى إلا جناح المرضى، الذين كانوا قلّة، مقارنة بكبر مساحة المدينة. و تكثر في القاهرة المباني الحجرية الصلبة المجهزة بغرف صغيرة و دكاكين للتجار. و من الملاحظ أيضا أن عدد الحمامات العامة مرتفع جدا؛ و رغم أن منظرها الخارجي ليس لائقا إلا أنها فسيحة و نظيفة من الداخل. فالأرض مغطاة بالمرمر الفاخر، و يسهر الخدم فيها على راحة الزوار. و الجدير ذكره أن الاحتفالات التي يقومون بها مع الذين يرتادون الحمام، تبدو في غاية الغرابة بالنسبة للأوروبي، حتى أنه يخالهم يسخرون منه. لكن هذا ليس من شيم الشرقيين. و من الأفضل أن يذعن الفرد لإرادتهم، و يحاول الاسترخاء، نجد في داخل المبنى غرفة صغيرة، وضع في وسطها عمود طوله حوالي قدمين و نصف القدم، يجلس عليه كل من يشاء انتزاع الشعر عن أعضائه التناسلية بواسطة مرهم يباع في الحمامات. و ما لفت انتباهي في هذا المكان، هو أنني رأيت بين رسومات القدامى، صورا لأشخاص عراة جالسين على هذا العمود. و هذا الأمر يدفعني للاستنتاج أن هذه العادة الرائجة اليوم في الحمامات، هي قديمة العهد. و من بين المباني العامة في القاهرة، نذكر أيضا المنازل التي يقدم أهلها يوميا الماء مجانا للمارة. و تتميز بعض هذه المنازل بمظهرها الجميل؛ و يحتفظ أهلها على الشرفات بكؤوس نحاسية نظيفة مملوءة بالمياه، تقدم للمارة.
و تكثر في القاهرة أيضا البرك التي هي عبارة عن أماكن منخفضة، تتحول في غضون ١٢ شهرا إلى بحيرات صغيرة، لتصبح بعدها حدائق غنّاء و مروجا خضراء ثم لتمسي أخيرا صحراء. و يقيم في هذه المناطق، و خاصة في محيط بركة الفيل، أسياد المدينة. لكن المسلمين لا يظهرون أبدا عظمتهم على منازلهم؛ و لهذا السبب لا نرى من قصورهم إلا الأسوار الشاهقة.