رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٩٦ - في بولاق و مصر العتيقة و الجيزة
الكتاب المقدس، كانت تقع في هذه المنطقة (*) و اللافت للنظر أن موقع هذه الصخرة ملائم للغاية، حتى أن البعض يظن أن المسلمين وجدوها حصينة. لعام ٢١٧ للهجرة. و لقد بنى الخليفة المأمون على جبل المقطم، قبالة القصر المذكور، قصر قبة الهوى، و لكنه مهجور تماما (**).
يتألف القصر من ٣ أقسام؛ جناح الباشا، جناح الانكشاريين، و جناح العفافرة. أما جناح الباشا، فمهدم كليا، و لا يليق بحكام مصر. و لما كان الباشاوات لا يطيلون البقاء في منطقة واحدة، لم يحاول أي منهم بناء قصر جديد؛ و بالتالي فهم ينزلون في أماكن لا تليق بهم. يتصل هذا الجناح بالجناحين الآخرين، عبر بابين منفصلين؛ و لكن الباشا لا يحتفظ بمفتاحيهما، بل بمفتاحي البابين اللذين يؤديان إلى الميدان، و الجبل و الحقول. و عملا بتقليد هذا البلد، تقفل الأبواب ليلا بواسطة أقفال خشبية. و نجد في جناح الباشا، قسما لصك الأموال، تضرب فيه عملة سكين الذهبية، و البارة الفضية، و البورب النحاسية؛ و لكنها لا توازي الأموال التي تضرب في القسطنطينية قيمة. يشبه جناح الانكشاري قلعة منيعة؛ فهو محاط بسور محصن بأبراج شاهقة على غرار القلعات التركية الأخرى. يتكفل السلطان بدفع رواتب الانكشاريين؛ و لما كان معظم الضباط عبيدا عند علية القوم في القاهرة، نراهم أكثر تعلقا بأسيادهم من السلطان. و هم يلجؤون إلى طرد الباشا، الذي يعينه المصريون، إن رفض الانسحاب خلال الفترة التي يحددها له البهاوات. لكن العرب لا يخشون الانكشاريين، لأنهم يسرقون الأماكن المجاورة للقصر، و المأهولة بالسكان. و يقع في هذه المنطقة، ينبوع يوسف الشهير و الذي يزوره الرحالة كلهم. و مما لا شك فيه أن بناء هذا الينبوع يتطلب عناء و مالا وفيرا، لأنه عميق جدا و منحوت في الصخر؛ و لكن الصخر حجارة من الكلس اللين و العمل عليها لا يتطلب عناء كبيرا، مقارنة بالمعالم التاريخية الأخرى، مثل الباغود في الهند، المحفورة في الصخور الصلبة. و رسم نوردن صورة واضحة جدا لينبوع يوسف. يعتبر قصر يوسف أكثر الأماكن جمالا في جناح العفافرة؛ و تصنع فيه الأقمشة الفاخرة (الكسوة)، التي ترسل سنويا إلى مكة على حساب السلطان؛ و نرى اليوم في هذا البناء، أنقاضا كثيرة تدل على عظمته السابقة. فقد زينت جدران جناح النساء بصور أشجار و منازل و خلافها و فسيفساء من عرق اللؤلؤ، و الحجارة الكريمة و الزجاج الملون. و نرى اليوم في الغرفة التي كان يطرز فيها القماش، بعض النقوش على الجدران. و نشاهد في غرفة ثالثة، رسومات جميلة على السقف. أما فوق هذا الجناح من القصر، حيث البناء مدعوم بسور ضخم فنصادف شرفة مغطاة تطل على الأهرام و الجيزة و مصر العتيقة و بولاق، و تشرف على منظر فاتن. و الملاحظ أننا نقع في هذا المكان، على أسماء بعض حكام مصر القدامى، محفورة على الجدران. و يقال إن خلفاء مصر و سلاطينها أقاموا في هذا القصر؛ و المدهش أن الحكام الأتراك لم يحذوا حذوهم، و لقد رآني المشرف على العمال،
(*) يعتقد بريانت أن هيليوبوليس كانت تسمى قديما زوان، راجعوا كتاب ملاحظات حول التاريخ القديم.
(**) التاريخ العالمي الحديث، الجزء الثاني ص ١٣٦.