رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٨٨ - مواقع بعض المدن المصرية القديمة
الأهرام التي لا تبعد كثيرا عن الجيزة. و لقد شاهد بوكوك في هذه المنطقة بقايا مدينة قديمة حسبها بقايا مدينة ممفيس (*). أما أنا فلم أشاهد إلا الأهرامات الأولى، لأنني لم أقصد جنوبي مصر؛ فلم أر بالتالي معالم بلدات أخرى. لكنني سمعت أنه في جوار سقاره نرى بعض معالم مدينة ممفيس، كما و أنني رأيت في القاهرة، حجارة مستخرجة من هذه الأنحاء، استعملت في بناء المنازل الحديثة و الجوامع في العاصمة الجديدة. و لن أذعن لرأي السيد شو، الذي يدّعي أن ممفيس كانت تقع في الموقع نفسه الذي تقع فيه اليوم الجيزة، رغم نفوره من بوكوك و كل من يعارضه الرأي حول هذا الموضوع. و سأحاول مناقشة بعض المقاطع، التي نقلها هذا العالم عن عدة مؤلفين، و ذكرها في الصفحة ٢٩٦، من كتابه «رحلات و ملاحظات» المطبوع في لندن العام ١٧٥٧؛ رغم أنني لا أظنها تثبت شيئا مما نريد إثباته. و في سبيل ترسيخ فكرته، يستشهد الدكتور شو، ب (ديودور(Diodore ديودورس الصقلّي (ص ٢٩٦). الذي يقول إن ممفيس تقع في النقطة التي ينقسم فيها النيل إلى عدة فروع. و هكذا فاستنادا إلى هذا المقطع، لا يمكنني القول: إن هذه المدينة تقع في موقع الجيزة، بل في الجهة الجنوبية؛ لأن النيل لا يبدأ بالتفرّع عند الطرف الجنوبي للدلتا، بل في البقعة الواقعة بين الجيزة و الأهرام. و هو يقول في الصفحة ٢٩٧، إن للدلتا حدودا ثابتة و غير متغيرة، على منأى من ممفيس؛ بيد أنني لا أوافقه الرأي؛ فرغم أن حدود الدلتا هي بطن البقرة أي في جوار قرية ضروة، فمن الممكن القول إن حدود الدلتا كانت تمتد قديما نحو الجنوب. فساعد النيل الذي رسمته على الخارطة، بدءا من أم دينار وصولا إلى الوراريق ليس قناة ضيقة، بل ممر عريض، تجتازه السفن المسافرة من بولاق إلى رشيد، نظرا لعمقه. و من الممكن القول إذن إن حدود الدلتا كانت قديما قرب الوراريق أو سواها. و لما كان هذا لمجرد تخميني، سأراجع ملاحظات بطليموس التي يستعين بها الدكتور لإثبات وجهة نظره. أما بطليموس فيقول: إن ممفيس تقع على بعد ٢٩ دقيقة و ٥٠ ثانية من خط العرض، و الدلتا على بعد ٣٠ دقيقة منه؛ بينما يبلغ ارتفاع الجيزة ٣٠ دقيقة أيضا؛ فإن كانت ممفيس تقع على بعد ميلين و ربع الميل جنوبا، لا يمكن القول إنها كانت تقع في موقع الجيزة، و يحاول الكاتب تحديد موقع ممفيس وفقا لبعدها عن الأهرام (ص ٢٩٨). و يمكننا الاستنتاج أن هذه المدينة كانت واقعة جنوبي النيل على مسافة متساوية من الأهرام. أما سترابون فيؤكد بأننا نستطيع رؤية الأهرام من بابل و أن ممفيس واقعة قبالة هذه المدينة؛ و يحاول الدكتور شو أن يثبت، استنادا لهذا المنطق (ص ٢٩٩) أن ممفيس كانت واقعة في البقعة التي نشاهد فيها اليوم الجيزة. و صحيح أننا نشاهد الأهرام من قصر القاهرة القديم أو بابل القديمة. لكن الكتّاب الذين أتيت على ذكرهم آنفا، و الذين شاهدوا بأم عينهم بقايا ممفيس، يؤكدون أن
(*) إن الاعتقاد الأكثر صحة هو أن هذه المدينة الجميلة بنيت على مدخل هذا السهل الرملي المعروف اليوم بسهل المومياء، الواقع شمالي الأهرام. فالأنقاض المذهلة التي نراها في هذا المكان، تشير إلى عظمة المدينة و موقعها الصحيح. يقول ريتشارد بوكوك في كتابه وصف الشرق، إن هذه المدينة تقع بين مكنان و متراحين، على الطريق بين القاهرة و الفيوم، على الجهة الغربية للنيل، و أقرب إلى أهرام سقاره منه إلى أهرام الجيزة.