رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٦٣ - رحلة دمياط و العودة إلى القاهرة
و قمت برحلة صغيرة من دمياط إلى مصبّ النيل أو بوغاز(Boghas) ؛ و خلافا لمصب رشيد، لا يشكل هذا المصب خطرا على البواخر، إذ تكثر فيه الأرصفة الرملية و المنارات و زوارق الإنقاذ، المعدّة لإغاثة البحّارة الغرباء. تجتاز هذا المصب بواخر ضخمة متوجهة نحو البلدة؛ لكن نظرا لانخفاض منسوب المياه على هذا الساحل، تلقي معظمها المرساة على بعد ميل عن اليابسة. تمثل اللوحة ٩ حصنا قديما يبعد عن البحر ٧٠٠ قدم. و قد قست هذه المسافة بدقة حتى يتمكن الرحالة اللاحقون من تحديد بعد مصر عن البحر. و يبلغ طول هذا الحصن ٥٨ قدما و عرضه ٢٣. و يزعم خادمي أنه قرأ تحت النقوش على بوابة الحصن «١٦٩».
و الجدير ذكره أن لا أحد يجرؤ على السكن في هذا الحصن خوفا من الأشباح؛ فعند اقترابنا منه، راح المسلمون يتلون الصلوات. و عند وصولنا، تلوا صلاة أخرى قرب المدافع الضخمة؛ فاضطررت للعودة معهم إلى المركب دون أن أشاهد الجزء الداخلي من الحصن، كانت هذه المرة الأولى التي أشاهد فيها مسلمين خائفين من الأشباح. و لم أتجرأ على ذكر الموضوع أمام العرب. و نرى غربي النيل، نحو الجنوب، على بعد ١٥٠ قدما عن الساحل حصنا جديدا مأهولا، من العام ١١١٦؛ أي إنه لم يمض على وجوده ٥٩ سنة قمرية. يتخذ هذا البناء شكلا مستديرا كما يبدو على الخارطة أوب من اللوحة ٩. و نرى عند الأسفل قاعدة مستديرة فيها مدفعان برونزيان، و ثلاثة حديدية. كما و نجد خمسة مدافع صغيرة في الطبقة الثانية من المبنى، و إن تقدمنا أكثر نحو الجنوب نر برجا قديما متداعيا، مأهولا بالسكان. أما في الجهة الشرقية، قرب قرية القولي، فنرى قواعد مدفعية مهدمة طولها ٢٠ قدما، و فيها مدفع قديم مكسور، و آخر أكله الصدأ.
أتيت على ذكر بحيرة باحر، في وصف شبه الجزيرة العربية، تمتد هذه البحيرة من دمياط شرقا وصولا إلى غسا(Ghassa) ؛ نشاهد على جزر هذه البحيرة بقايا بلدات قديمة. و قبل سنوات خلت، قدم مضيفنا لربان فرنسي كتابا مطبوعا بالأحرف الأوروبية، و حجارة من هذه الجزر، موضوعة في صندوق حديدي؛ و حين أقول إن الكتاب مطبوع بأحرف أوروبية، أقصد أنها أحرف غريبة عن مضيفنا، لأن الشرقيين يعتبرون كل حرف أو نقش لا يفهمونه من أصل أوروبي. و نشاهد على مقربة من المتوسط، قرب قرية مطارد، أنقاض بلدة ستانوس أو تنوس، التي تحمل اسمها إحدى مصبّات النيل. سمعت الناس يتحدثون عن أنقاض هذه البلدة، و لكن لم يرها أحد منهم. و عرفت أنه يمكننا السفر برا إلى دمياط و العودة منها بعد ثلاثة أيام. فمع ارتفاع عدد اللصوص، باتت هذه الطريق محفوفة بالمخاطر أكثر من طريق باحر؛ فسكان هذه المنطقة فقراء و لا يحبذون أن يعود الرحالة بحقائبهم كلها. و تقع في الجهة الجنوبية غرب دمياط، بلدة ديمشلي حيث يصنع النسيج، و لا تزال حتى اليوم بلدة بلباس غنية عن التعريف، و لكن أحدا لم يحدثني عن موقعها؛ و هي تضم عددا وافرا من النصب القديمة (*).
(*) شاهد غرانجر بقايا تهموس وبوط على بعد ستة فراسخ شرقي المنصورة.