رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٥٤ - الرحلة من الإسكندرية إلى القاهرة
القاهرة تصل حتى رشيد فقط، و ينطبق الأمر نفسه على تلك المنطقة من الإسكندرية. و رشيد مدينة كبيرة، تقع على الضفة الغربية للنيل، و على مرتفع يطل على النهر من جهة و على مصبه من الجهة الأخرى، و هي على خط عرض ٣١؟، ٢٤؟. و نجد في جنوبها مرقبا قائما على مرتفع، رسم من أعلاه السيد بورنفند منظرا للمدينة حفر على اللوحة السادسة. و على مقربة من هذا المكان، قرب قرية أبي مندور، يتعرّج النيل بشكل جلي، و في هذا المكان، تمّ اكتشاف ٢٠ عمودا من الرخام فنقلت إلى القاهرة، و ظنّ الأوروبيون المقيمون في رشيد أنهم وجدوا في هذا المكان مدينة كانوبوس(Canopus) . و تقول الروايات المصرية إن ساعدا كبيرا للنيل يمتد من هذه المنطقة نحو الغرب، و يمرّ عبر بحيرات صغيرة أشرنا إليها في اللوحة العاشرة، ليصب أخيرا في البحر قرب أبو قير (*)، لكن هذا الممر مسدود كليا بالرمال التي تحملها الرياح بسهولة و التي تكثر في هذه المنطقة.
و يقيم في رشيد قنصل فرنسا و البندقية و بعض التجّار الأوروبيون الذين يؤمّنون نقل بضائع أصدقائهم بين القاهرة و الإسكندرية، و قد أقمنا في المدينة عند الآباء الفرنسيسكان. و يشيد الأوروبيون بتهذيب و لياقة سكّان هذه المدينة، لذا يمكن أن نقيم فيها لمدة أطول من تلك التي نمضيها في المدن المصرية الأخرى حيث لا يتمتع الأوروبيون بالاحترام اللازم. لكننا سارعنا بالوصول إلى القاهرة، ففي ٦ تشرين الثاني/ نوفمبر، غادرنا رشيد على متن مركب صغير و وصلنا في اليوم نفسه إلى منتود(Mentچdes) ، و أجبرنا الهواء المعاكس على الإرساء هناك.
في ٧ تشرين الثاني/ نوفمبر مساء، بلغنا بلدة ديروط، فحملت ساعتي و نزلت إلى اليابسة، لأن الجو صاف و لا يخشى عليّ من سكان المنطقة، و بعد مراقبة ارتفاع نجمة في الهاجرة، وجدت أن ديروت تقع على خط العرض ٣١؟، ١٣؟، و حاولت مرارا القيام بدراسات فلكية، لكن محاولاتي باءت بالفشل، فاضطررت إلى الاكتفاء بملاحظة تعرجات النيل و الوقت الذي لزمنا للانتقال من مكان إلى آخر، و لسوء الحظ التقيت بأصحاب مراكب رفضوا إعطائي أسماء القرى أو كانوا يجهلونها، إذ ينبغي اجتياز هذه المنطقة مرارا لحفظ كافة الأسماء. و سافرنا في بعض الأحيان ليلا، فلم أستطع رؤية القرى كلها. و بما أن المسافة بين ديروط و القاهرة أكبر من أن يضع المرء خارطة جيدة لمجرى النيل من دون أن يسجل ارتفاعات القطب المختلفة، حددت خلال رحلات قصيرة قمت بها لاحقا، عند ما كنت في القاهرة، موقع وردان على خط عرض ٣٠؟، ٣؟، و سأوردها لاحقا بشكل أوضح في الدراسات الفلكية.
(*) و لعل السيد بريتنباخ(Breitenbach) أبحر على هذا الساعد من رشيد إلى «أبو قير» عام ١٤٨٣، و هو الذي أمضى عليه الأمير رادزيفيل(Radzivil) مئة عام من القاهرة إلى الإسكندرية. و لعلهم مروا على هذا الساعد الذي يصب، بحسب رواية غرانجر(Granger) ، في البحيرة الواقعة قرب «أبو قير». و لم ألا حظ ساعد النهر هذا، لأنني على الأرجح مررت قربه ليلا أو إن بعض الجزر حجبته عني.