رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٤٥ - ملاحظات من الإسكندرية
التي نسبها المؤرخون للإسكندرية الكبرى، لكن هذه الأسوار التي بناها العرب عظيمة و عالية و طويلة.
و وجدت أن ارتفاعها يبلغ ٤٣ قدما، إلى ٥٠ قدما، بما في ذلك الحاجز أي قرب باب الرشيد، لكن هذه الأسوار مهدمة في مواقع عدة، و تتم الحراسة في بعض الأبراج كما أشار نوردن و بوكوك و غيرهما (*).
و لم تهجر الإسكندرية فجأة، إنما تراجعت تدريجيا، مع تراجع عدد السكان و افتقارهم. و لم يتركوا من القصور القديمة الرائعة إلّا ما لم يكن بالإمكان نقله أو استخدامه في أبنية جديدة، كما تمّ نبش أساسات الأسوار، لذا نرى الكثير من الآثار القديمة، و بما أن الإسكندرية الجديدة تفتقر للمياه العذبة باستثناء تلك التي تجمع من النيل و الأمطار، يضطر السكان إلى الاهتمام بعدد كبير من الخزانات تكفي مياهها لحاجتهم السنوية، و لهذا السبب، يعملون على منع انسداد القنوات التي تحمل مياه النيل إلى الخزانات. و بالرغم من أن القناة الممتدة من النيل و التي تجري قرب أسوار المدينة غير قابلة للملاحة منذ سنوات، يقومون بتنظيفها سنويا و فتحها، بعد أن يرتفع منسوب النيل إلى حدّ معين. و تمّ جرّ المياه من الجهة الشرقية للمدينة عبر قناة صغيرة تحت الأرض لتصب في الخزانات و حين تمتلىء هذه الخزانات، تجرّ المياه الزائدة في قناة صغيرة عبر أسوار المدينة القديمة لتصبّ في المرفأ القديم.
أما أفضل أثر من الآثار القديمة الموجودة داخل حرم المدينة و الذي لم يتمكن المسلمون من نقله هو مسلّة كيلوباترا، و هي من الغرانيت الصلب الأحمر اللون، مكونة من قطعة واحدة ككل المسلات التي اكتشفت قرب قصور و معابد المصريين القدامى. و قد غاص قسم من المسلّة في الأرض، لكن بقي منه ٦١ قدما، و ١١ بوصة من حيث الارتفاع، و ٧ أقدام و ٣ بوصات من حيث العرض (**). و يبلغ عمق بعض الكتابات الفرعونية المنقوشة على المسلّة بوصة واحدة، و يبدو من ذلك، أن المصريين القدامى سعوا لتخليد كتاباتهم، لكن خلفاءهم لم يتمكنوا من قراءتها، و قد رسم السيد نوردن هذه المسلّة بشكل جيد. و نجد مسلّة أخرى قرب الأولى، و يبلغ عرض كل جهة منها ٦ أقدام و ٣ بوصات، و هي غير منتصبة بل مكسورة و مغطاة جزئيا بالتراب.
و لم يبق من معابد الإسكندرية القديمة الرائعة ما يستحق الاهتمام سوى كنيسة سان الباناز(St .Albanase) ، و هي كنيسة واسعة للغاية، و يدّعي البعض أنها مزينة بعدد كبير من الأعمدة الجميلة، و أنها تضمّ مجموعة غنية من الكتب اليونانية. لكن تمّ تحويل هذه الكنيسة الجميلة، منذ زمن، إلى مسجد، لذا يمنع دخولها على المسيحيين. و نلاحظ قرب الكنيسة على بعض الأعمدة الغرانيت الحمراء، و بقايا قصر واسع.
(*) لا بدّ أن هذه الأسوار كانت في حالة أفضل منذ ٣٠٠ عام، لأن رفاق السيد بريدنباش الذين صعدوا على السور الخارجي لرؤية الخنادق و الأبراج و المواقع المحصنة، أكدوا أنهم لم يروا يوما مدينة أكثر تحصينا من الإسكندرية. و كان داخل المدينة فارغا بمعظمه أو تكثر فيه المنازل المتداعية.
(**) لا يمكنني التأكيد، إذا ما كان عرض كل جهة من المسلة ٦ أقدام و ٣ بوصات، و إذا ما كان عرض ذاك الجزء الواقع في الأرض قرب الأول ٧ أقدام و ٣ بوصات من كل جهة. و بالتالي، يبلغ ارتفاع المسلة المنتصبة ٦٠ قدما.