رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٤١ - الرحلة من القسطنطينية إلى الإسكندرية
و قررنا للمرة الأولى أن نأكل في مقهى تركي، كان الطعام شهيا إنما مكلفا، أكلنا على منضدة واسعة من الخشب، في الشارع، من دون سكين أو شوكة و في طبق من الآجر السيئ، ثم انتقلنا لزيارة يهودي، يزوّد الأوروبيين بالنبيذ. كانت عنده فتاتان، يدّعي أنهما ابنتاه، و هما تتكلمان الإيطالية، و قد قدمتا لنا أكياسا صغيرة صنعتاهما بنفسهما، وفاقت كلفة هذه الزيارة اليهودية كلفة الغداء التركي.
لا زال العديد من اليونان يعيشون على الجزيرة، لكن لا يحق لهم البقاء في مدينة رودوس(Rhodus) . في اليوم التالي، رافق السيد دي هافن و السيد كرامر بعض اليونانيين الذين أرادوا زيارة المطران المقيم في قرية قرب المدينة، و ما إن وصلوا، حتى لحق بهم بعض الموسيقيين الأتراك، لكن المطران لم يكن يهتم بموسيقاهم، فرفضوا المغادرة من دون أن يكسبوا بعض المال. و قام خلاف بينهم، و قبل أن يغادروا، استبدل أحد الموسيقيين حذاء السيد دي هافن الجديد بحذائه القديم. و لو عدنا إلى أوروبا مباشرة بعد ذلك، لما شكرنا بهذه العادة- عند الشرقيين- التي تقضي بنزع الحذاء قبل دخول المنزل. لكن أمرا مماثلا لم يحصل لأي من رفاقنا فيما بعد، فلم نعد ننظر إلى هذه الحادثة كأمر كبير.
و أراد قبطان سفينتنا الإبحار في ٢٢ أيلول/ سبتمبر صباحا، مما منعني من تحديد ارتفاع بعض النجوم ليلا، أما على متن السفينة فيقتصر أفقنا على الهاجرة، لأن جزيرة رودوس تقع إلى الجنوب و اليابسة قريبة منا نحو الشمال. لكن بما أننا لم نبحر إلّا قرابة الظهر، استخدمت الثمنية لتحديد ارتفاع الشمس في أوقات مختلفة، كما سجّلت الوقت بين ارتفاع و آخر استنادا إلى ساعتي التي تعمل بالثواني، و تبين لي أن سفينتنا قرب رودوس كانت على خط عرض ٣٦؟، ٢٦؟.
و لم نبتعد طوال الرحلة عن شواطىء القارة أو الجزر منذ القسطنطينية و حتى رودوس، لذا لم أجد داعيا لتسجيل ملاحظات حول الطريق الذي اتخذته السفينة. و عند ما لم أعد أرى اليابسة بين هذه الجزيرة و مصر، ظننت أن قائد السفينة سيستخدم الثمنية، لكن تبين لي أن الأتراك لا يستخدمون هذه الوسائل.
و لقد كان المركب مزودا بخرائط بحرية جيدة، و رمال، و مسراع، و بوصلة عادية فضلا عن بركار سمتي، لكنهم لم يستخدموا المعدات التي أخذوها عن قبطان أوروبي منذ سنوات.
و لعل قبطان سفينتنا سرق هذه المعدات كلها، لأن الأتراك متهمون بأنهم يدعون كونهم جزائريين أو تونسيين أو طرابلسيين فيستولون على سفن الأمم الأوروبية العاقدة معاهدات سلام مع الأتراك، و حين لا يتجرؤون على سرقة السفينة بأكملها، يعملون على سلب الخرائط، و البوصلات و بعض المؤن، و قد تحدّثت في الإسكندرية إلى قبطان تعرّض لعملية سطو كهذه. و كان قبطان سفينتنا يخشى أن يقع في المصيدة نفسها على هذه الطريق، لأن الشائعات تسري أن مالطيين أو بالأحرى قراصنة، يحملون جوازات مرور و يرفعون علم بعض الأمراء الإيطاليين، يجولون شواطىء مصر و سوريا. و لقد كان مركبنا مثقلا بالحمولة، و لم تكن المدافع الموجودة على متنه لتنفعنا لأنها مربوطة جزئيا بحبال، و سلك القبطان الطريق مباشرة من رودوس نحو الإسكندرية، و كان الهواء مواتيا، و إلّا لما وصلنا إلى المرفأ دون التعرض